بين مطرقة طهران وسندان الأشقاء: لماذا تستقتل قطر في التوسط لصالح إيران؟
حقيقة يستغرب كثير من المتابعين للشان الامني والسياسي وعلى الرغم من موجات القصف الإيراني التي طالت أجزاءً من مياه وأجواء الخليج،وبضمنها قطر التي طالتها اسراب من المسيرات ودفعات من الصواريخ الايرانية يطرح علامة استفهام كبرى حول محرك السياسة الخارجية القطرية. فرغم تضرر المصالح الأمنية المشتركة، تصر الدوحة على لعب دور "عراب التهدئة" وطوق النجاة السياسي لطهران. يرى خبراء ومحللون سياسيون أن هذا السلوك الدبلوماسي يتجاوز الرغبة التقليدية في لعب دور الوسيط، بل يمثل استراتيجية أمنية نفعية (برغماتية) صلبة لحماية المصالح الحيوية للدولة، وموازنة القوى داخل البيت الخليجي ذاته.
اولا ..الارتهان الجيولوجي.. شريان الغاز المشترك
يرى المحللون أن الدافع الاقتصادي الأبرز للدوحة يكمن تحت مياه الخليج؛ حيث تتشارك قطر وإيران في حقل "الشمال/جنوب فارس"، وهو أضخم حقل غاز طبيعي مسال في العالم.
ثانيا..حتمية الجغرافيا الاقتصادية، ففي مقال تحليلي نشرته صحيفة الأهرام، اشار إلى أن هذا التشابك يجعل العلاقة أقرب إلى "التعايش الاستراتيجي الحتمي". أي تدمير للبنية التحتية الإيرانية جراء الحرب يهدد بوقف فوري للإنتاج القطري الذي يغذي 17% من سوق الطاقة العالمي، ما يعني تحول الاستقرار الإيراني إلى مسألة أمن قومي واقتصادي قطري مباشر.
ثالثا: توظيف "الثقل الإيراني" لموازنة المخاوف الخليجية خلف كواليس العلاقات الدبلوماسية، توظف قطر علاقتها الفريدة مع طهران كأداة لإيجاد توازن جيوسياسي يحمي استقلال قرارها السياسي أمام الجارين القويين، السعودية والإمارات.
رابعا.. دروس حصار 2017: يؤكد خبراء العلاقات الدولية أن تجربة مقاطعة قطر عام 2017 أثبتت للدوحة أن طهران يمكن أن تكون الرئة البديلة والعمق الاستراتيجي الحرج وقت الأزمات.
خامسا..تأمين مكاسب ما بعد "العُلا" يرى مراقبون للشأن الخليجي أنه بالرغم من المصالحة، لا يزال قرار الدوحة الخارجي محكوماً بـ "التعايش الحذر" مع الرياض و"السلام البارد" مع أبوظبي. لذا، فإن وجود قنوات اتصال دافئة مع إيران يمنع انفراد أي قطب إقليمي بالقرار القطري، ويمنح الدوحة ثقلاً نسبياً يحيد أي محاولات مستقبلية لفرض إملاءات سياسية عليها من داخل منظومة مجلس التعاون.
سادسا.. تحييد ترسانة الصواريخ والمُسيّرات
في موازاة التحليل السياسي، تبرز النظرة العسكرية الواقعية لوساطة قطر؛ فالدوحة تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة (قاعدة العديد)، مما يجعلها هدفاً محتملاً غير مباشر في أي صراع شامل بين واشنطن وطهران. وفي هذا النطاق تمارس قطر استراتيجية امتصاص الضربات إذ يرى خبراء أمنيون أن قطر لا تسعى للتصعيد العسكري حتى عند تلقيها رسائل خشنة أو سقوط مقذوفات في نطاقها الإقليمي؛ بل تفضل استثمار الحوار؛ لإدراكها أن احتواء إيران دبلوماسياً هو الدرع الأقوى لحماية أراضيها مقارنة بالحلول العسكرية التي قد تحول منشآتها الحيوية إلى رماد.
ولا بد من الإشارةالى ان قطر تريد ان تبق "الوسيط الموثوق" كحصانة دولية تدرك قطر أن قيمتها الاستراتيجية لدى القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة، وتنبع من قدرتها الفريدة على فك الشفرات السياسية المعقدة مع الأطراف التي لا تتحدث معها واشنطن مباشر .كما انها تسعى إلى بناء الحصانة السياسية عبر تسهيل صفقات تبادل السجناء، والوساطة في الملف النووي، والتوسط لإنهاء الحرب الحالية، تصنع الدوحة لنفسها دور "اللاعب الإقليمي الذي لا غنى عنه". هذه المكانة تضمن لها غطاءً وحماية أمريكية وغربية دائمة ضد أي تهديدات خارجية، سواء كانت قادمة من ضفاف الخليج الشرقية أو الغربية.
خلاصة القول، إن الاستماتة القطرية لإنهاء الحرب وحماية النظام الإيراني من السقوط ليست شيكاً على بياض لطهران، بل هي قراءة برجماتية دقيقة لواقع الجغرافيا؛ فإيران الضعيفة أو الغارقة في الفوضى تعني مباشرة خنق الاقتصاد القطري، وتكثيف الضغوط السياسية من جيرانها الخليجيين، وفقدان الدوحة لأهم أوراق توازن القوى في المنطقة. ومع كل تلك المعطيات اعتقد ان الموقف السياسي الواقعي لدولة الامارات العربية هو الأقرب للصواب فهي لا تريد الحرب ضد إيران كجار متعب ولكنها تدرك جيدا انه لابد من البحث عن ضوابط وكوابح لمنع ايران من استعادة سياساتها العدوانية في المنطقة وتهديد الممرات البحرية وسلاسل الامداد والطاقة مثلما يجب تحجيم برنامجها الصاروخي وانهاء ملفها النووي وقطع الدعم عن اذرعها المؤذية في المنطقة وبعكس ذلك فان إيران الان تشبه الذئب الجريح بمجرد أن يتداوى ويتعافى بعود إلى ايديوجيته ولعبته المفضلة في الابتزاز والهيمنة وعلى حد قول الصحفي الكويتي العتيد الاستاذ احمد الجارالله 47 سنة قضيناها مع ايران جاءك الواوي وجاءك الذئب.
...تحليل سياسي...