سقوط الأقنعة وتهافت السردية: الارهابي عبد الملك الحوثي ومقصلة الوهم الممنهج
في كل مرة يطل فيها زعيم الميليشيا الحوثية الارهابية، عبد الملك الحوثي، من وراء شاشته المحصنة، يعيش في عالم افتراضي يقول ما تملي عليه إيران بعيدة عن العقل والمنطق .
يدرك المتابع للشأن اليمني أن الرجل لا يخاطب واقعاً يعيشه الناس، بل يصنع "واقعاً موازياً" يتغذى على الوهم، ويقتات على تغييب الوعي لكن خطابه الأخير تجاوز مجرد المناورة السياسية المعتادة، ليصبح وثيقة إدانة صارخة تترجم حالة الهروب المذعور إلى الأمام، ومحاولة مكشوفة لقلب الحقائق وتضليل الرأي العام، والتنصل من المسؤولية المباشرة عن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها اليمن في تاريخه الحديث بعفل انقلاب مليشياته على الدولة في العاصمة صنعاء.
إن النقد الأساسي الذي يواجه خطاب عبد الملك الحوثي لا يقف عند حدود تفنيد أكاذيبه السياسية، بل يمتد إلى تعرية الفجوة الأخلاقية السحيقة بين منطق "الدولة" وسلوك "العصابة". فالرجل الذي يتحدث اليوم بلسان الواعظ الحريص على "حماية ثروات اليمن"، هو ذاته مهندس الإستراتيجية الانتحارية التي دمرت أهم مورد اقتصادي للدولة اليمنية. إنها المفارقة التي بلغت حد الوقاحة؛ كيف يستقيم ادعاء الحرص على مقدرات شعب، مع قرار إجرامي باستهداف موانئ تصدير النفط في محافظتي حضرموت وشبوة بطائرات مسيّرة إيرانية؟
هذا الاستهداف الإرهابي لم يكن مجرد عملية عسكرية طائشة، بل كان قراراً ممنهجاً من زعيم الميليشيا لخنق الشعب اليمني، وإيقاف تصدير النفط والغاز، وتطفيش الشركات الدولية، مما تسبب بخسائر بمليارات الدولارات ، النتيجة الكارثية لهذا السلوك لم تكن غائبة عن مخيلة قيادة الميليشيا؛ بل كانت مقصودة لذاتها: حرمان ملايين اليمنيين من الرواتب، وتجفيف مصادر تمويل الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وكهرباء، ثم الخروج بكل صلف لرمي اللائمة على الآخرين، وتحميل المجتمع الدولي والشرعية نتائج الجرائم التي ارتكبتها يد الميليشيا وبأوامر مباشرة من قبو زعيمها.
لقد أسس الإرهابي عبد الملك الحوثي لمنظومة اقتصادية موازية قائمة على "التجريف الإقطاعي". فالجماعة التي يديرها لم تكتفِ بتعطيل الموارد السيادية، بل حوّلت مؤسسات الدولة العامة إلى إقطاعيات خاصة، وصادرت رواتب الموظفين لسنوات طويلة، وفرضت منظومة جبايات وإتاوات خانقة وغير قانونية طالت حتى الباعة المتجولين وصغار التجار.
إن هذا النهب المنظم، بالتوازي مع مصادرة المساعدات الإنسانية وتوجيهها للمجهود الحربي، وتفجير منازل الخصوم، وزراعة ملايين الألغام، وتشريد الملايين، أدى إلى تفكيك القطاع الخاص وإفزاع رؤوس الأموال الاستثمارية الوطنية والأجنبية. بل إن الأمر امتد لتحويل الموانئ التجارية، كميناء الحديدة، من شريان إنساني إلى ثكنة عسكرية وبوابة مفتوحة لتهريب المخدرات و الأسلحة النوعية وتسهيل حركة خبراء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله بهدف إطالة الحرب في اليمن وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر .
وحين يتباكى زعيم الميليشيا الارهابية التابعه لايران على الحصار ومطار صنعاء، فإن النقد السياسي والتقني يفضح هذه المظلومية الزائفة. فالعالم بأسره، عبر المنظمات الدولية والأممية، يمتلك الأدلة الدامغة على أن الميليشيا استخدمت المطار كمنشأة عسكرية لتجميع وتطوير المسيرات واختبار الصواريخ، ورفضت مراراً الالتزام بالمعايير الدولية الخاصة بالطيران المدني، معرضة الطيران المدني والبنية التحتية للمطار لخطر حتمي، وحتى الطائرات المدنية التابعة للخطوط الجوية اليمنية لم تسلم من عبث الميليشيا وقرصنتها، حيث جرى احتجازها والاستيلاء عليها في مطار صنعاء واستخدامها كورقة ابتزاز سياسي، دون أدنى اكتراث بمعاناة المرضى والمسافرين والطلاب الذين تقطعت بهم السبل ثم جعلها عرضة لتدمير القصف الإسرائيلي على مطار صنعاء الدولي دون اكثرات بالتحذيرات من عدم نقلها إلى مكان اخر بالاضافة الى اعتقال الموظفين الامميين وتقديمهم للمحاكمات السياسية دون ذنب او دليل.
إن الجرح الغائر في الخطاب الحوثي يكمن في مصطلحات "السيادة" و"الاستقلال" التي يرددها الحوثي كالببغاء؛ فالواقع يثبت أن هذه الجماعة لا تملك من أمرها رشداً، ولا تمتلك قرارها السياسي أو العسكري، بل هي ذراع عضوي ملتصق بالحرس الثوري الإيراني. تتلقى السلاح والخبراء والتوجيهات من طهران، وتجر اليمن برمتها إلى حروب عبثية وحسابات إقليمية معقدة خدمة لأجندة النظام الإيراني وتوسيع نفوذه، ضاربة عرض الحائط بمصالح الشعب اليمني وعمقه العربي.
في المقابل، تبرز الحقيقة الميدانية والتاريخية التي لا يمكن لخطابات عبد الملك الحوثي أن تحجبها: في الوقت الذي قدمت فيه الميليشيا ومن خلفها طهران لليمنيين الموت والدمار، والجوع والقرصنة، وسجون القمع، وتفخيخ عقول الأطفال عبر المراكز الصيفية الطائفية الطامحة لتحويلهم إلى وقود للمعارك؛ كانت المملكة العربية السعودية تقف بصلابة إلى جانب اليمن واليمنيين في أصعب الظروف الإنسانية والسياسية والاقتصادية، عبر تقديم دعم مالي مباشر، وودائع للبنك المركزي، وحزم تنموية وإنسانية غير مسبوقة لإسناد ما تبقى من روح في جسد الدولة اليمنية.
لقد تجاوز اليمنيون، بوعيهم وهويتهم الضاربة في عمق التاريخ، مرحلة الانخداع بالشعارات الحوثية الجوفاء. لقد باتوا يدركون جيداً من يقف إلى جانبهم مسانداً ومقوماً لدولتهم، ومن صادر هذه الدولة ونهب قوتهم ودمر حاضرهم ومستقبل أبنائهم. إن النقد الأكبر لزعيم الميليشيا ليس في الكلمات، بل في حكم التاريخ؛ والتاريخ لن يرحم من أدخل اليمن منذ تمرد مران في 2004 وحتى انقلاب 2014 واليوم، في دوامة الحرب المستمرة والفقر والمجاعة، خدمة لمشروع سلالي طائفي دخيل، سيتكسر في النهاية على صخور الهوية اليمنية والتاريخ العربي الأصيل.