عروس البحر الزاحفة على ركبتيها في قانون "المليشيا الحوثية"، المواطن بقرة حلوب، والتهامي تحديداً هو الحلقة الأضعف
حين تقرأ في كتب التاريخ عن "الحديدة"، تجدها "عروس البحر الأحمر"، المدينة التي كانت تشرع ذراعيها للموج والمسافرين، ويفوح من حاراتها عبق البن والسمك الطازج ونكتة "التهامي" الفطرية التي تذيب الصخر.
أما اليوم، وإذا ما قررت القيام بجولة صحفية تحت رعاية "المشرف الثقافي"، فستكتشف أن العروس قد أُجبرت على ارتداء "زنّار" ملالي، وتخلت عن ضحكتها الساحرة لتتعلم كيف "تصرخ" في وجه طواحين الهواء.
كيف تعيش الحديدة اليوم؟ الإجابة المختصرة: تعيش على طاقة "الصبر الاستراتيجي"، بانتظار فرجٍ لا يبدو أنه مدرج في خطط "المكتب التنفيذي".
الكهرباء.. رفاهية من العصر الجاهلي!
في الحديدة، حيث تتجاوز درجات الحرارة الأربعين مئوية ويتنفس الناس رطوبة سائلة، تحولت الكهرباء إلى كائن أسطوري يشبه "العنقاء" و"الخل الوفي".
لقد فرضت مليشيا الحوثي واقع مغاير يتمثل في تحويل الصيف التهامي الحارق إلى أداة لـ"التربية الروحية". المواطن في الحديدة لا يحتاج إلى "ساونا"؛ فبيته، بفضل انقطاع التيار الرسمي، يتحول تلقائياً إلى حمام بخاري مجاني على مدار 24 ساعة. وإذا تجرأ المواطن وبحث عن "الكهرباء التجارية" (التي يملكها غالباً مستثمرون هبطوا فجأة من كهوف صعدة)، فسيجد أن سعر الكيلوواط الواحد يفوق الخيال .
المفارقة التهامية:
تعيش المدينة فوق بحر من النفط المهرب والمساعدات الإنسانية، لكن السكان ينامون على الأسطح يتوسلون نسمة هواء، بينما تضيء المولدات العملاقة مقرات المشرفين والمهرجانات الطائفية الخضراء التي لا تنتهي.
ميناء الخير.. لمن يعود الخير؟
تاريخياً، كان ميناء الحديدة هو شريان الحياة لليمن بأكمله. اليوم، وبفضل العبقرية الإدارية للمليشيا، تحول الميناء إلى "صندوق بريد مغلق". تدخل السفن محملة بالخيرات، لكنها تمر عبر فلاتر "الخمس" والجمارك المزدوجة والضرائب "الجهادية"، لتصل إلى الأسواق بأسعار تجعل المواطن التهامي ينظر إلى حبة الطماطم وكأنها قطعة أثرية من متحف اللوفر.
الصيادون، الذين كانوا ملوك البحر، باتوا اليوم بين فكي كماشة
إما زوارق المليشيا التي تحظر الصيد في مناطق واسعة وتحول الشواطئ إلى ثكنات ومواقع لإطلاق المسيرات.
أو ألغام البحر التي حصدت أرواح العشرات منهم.
لقد تحول "السمك الإكليل" و"الباغة"، الذي كان قوتاً للفقراء، إلى حلم بعيد المنال في مدينة الساحل.
"الخضرنة" الإجبارية وأدب الطاعة
إذا قمت بجولة في شوارع الحديدة، ستلاحظ أن المدينة قد تخلت عن ألوانها التهامية الزاهية (الأبيض والأزرق) لترتدي اللون الأخضر في كل مناسبة ليس لأن المليشيا مهتمة بالبيئة أو التغير المناخي، معاذ الله، بل لأن الجدران والمؤسسات وحتى أعمدة الإنارة يجب أن تُطلى بالأخضر للاحتفال بالمناسبات الدينية المتلاحقة، والتي تكاد تكون أسبوعية.
الصحفي هناك لا يحتاج إلى البحث عن المتاعب، فالمتاعب هي من تبحث عنه إذا لم يلتزم بالديباجة الإجبارية يجب أن تبدأ تقريرك بالحديث عن "الصمود والتصدي"، وتنهيه بالثناء على "الحكمة القيادية"، حتى لو كان الأطفال يموتون من سوء التغذية في مستشفى الثورة على بعد أمتار منك.
الجبايات: "دفعٌ" حتى انقطاع النفس
في قانون "المليشيا الحوثية"، المواطن هو بقرة حلوب، والتهامي تحديداً هو الحلقة الأضعف بسبب سلميته الفطرية.
مجهود حربي: إذا فتحت دكاناً صغيراً لبيع الخضار.
قوافل عيدية: إذا كان لديك بقالة لبيع الحليب.
ضرائب تحسين: (ولا أحد يدري ما الذي تحسن في المدينة غير أرصدة المشرفين).
تؤخذ هذه الأموال تحت تهديد "الخيانة والعمالة"، ليعاد تدويرها في بناء العقارات الفخمة للمشرفين القادمين من خلف الجبال، والذين اشتروا فجأة مساحات شاسعة من الأراضي في خط التسعين والمناطق الاستراتيجية بالحديدة، في عملية "تغيير ديموغرافي" هادئة تجري تحت وطأة السلاح.
الضحكة المبتورة
رغم كل هذا البؤس، تحاول الحديدة أن تبتسم. ما زال "التهامي" يطلق نكتته الساخرة همساً في المقاهي الشعبية، يسخر من "برود" المشرفين و"جهلهم" بطبيعة البحر والناس. تعيش الحديدة اليوم حالة "انفصام قسري"؛ فوق الأرض صراخ وزوامل وشعارات غريبة عن ثقافة المنطقة، وتحت الأرض قلوب تغلي وأجساد أنهكها الجوع والمرض، تنتظر لحظة يرتد فيها البحر إلى أهله، وتغسل أمواجه ما علق بالمدينة من غبار الكهوف.