نبيل الصوفي يكتب: صلاح الموسمي شهيداً.. "ديسمبريّ" إلى النَفَس الأخير

10:01 2020/01/17

المنتصف نت - المخا - نبيل الصوفي
صباح الخير يا صلاح الموسمي..
 
لا أدري كيف استيقظتَ اليوم في حياتك الأخرى..
 
لم يسبق أنْ شعرتُ بلا جدوى الكتابة كما شعرتُ بها من لحظة سمعت خبر استشهادك..
 
تركتَ لغيرك كلَّ شيء سهل.. واستأثرت بالصِّعاب.
 
لم يقْدِر عليك أحد، قاتلت الحوثي طويلاً، وانتقلتَ شخصياً من نصر إلى نصر، راقصت حربه برشاقة، ولم يصِبك حتى بخدش.. دوماً وأبداً كنت أنت المُنتصر..
 
وحده الموت، كما الميلاد.. له الكلمة العليا، وحتى وأنت تموت، هزمت الحوثي، أنجزت أكبر وأهمَّ مهماتك وعُدتَ بخير، لولا قضاء الله وقدره، الذي أحبَّك فردَّك إليه، لم يمنح الحوثي نصراً عليك لكنه أخذك مِنَّا..
 
كأنَّ موتَك يقول: لا يستحق الحوثي أن يقتلك، ولعلنا قد أرهقناك أكثر مما ينبغي، فردَّك الله إليه..
 
فرحت بكل ما يخصُّ المعركة.. قبل شهر سألتك: ما أخذت إجازة؟
 
فضحكت بذلك الصوت: "إجازتي أسير أتدرب"..
 
قبل أسبوع، كانت آخر لقاءاتي بك.. ستبقى تلك الصورة أمام ناظري حتى ألقاك في الحياة الأخرى..
 
قَفَلْتَ متجهاً نحو الباب، تحك رأسك وصوتك يهمهم..
 
عرفتك كعاشقٍ للجنديِّة، كأنك مولود في ميدان الكلية الحربية.
 
كُلما لقيتك في صنعاء، تندفع متحدِّثاً عن رفاق المعسكرات الذين شرَّدهم غباء السِّياسيين وصراعات أطماعهم في جبهات يقتل بعضُهم بعضاً، فيما واجبهم كان إبقاء الجندية وطناً..
 
وعجيبٌ أمرُك يا صلاح، كلّ من تحدثت عنهم هم بسطاء الخَلق، الذين حملوا عتلتهم من قراهم صوب معسكرات الجندية مفتتحين جهدهم صوب المجد، غير أنك لم تكن تخفي افتخارك بـ"المواسمة".. أبناء قريتك.. رفاق السلاح، حتى أقنعتني أنها بالأصل كانت معسكراً أصبح قرية وليس مجرد قرية رحل منها أبناؤها صوبَ الجنديّة.
 
سألتك قبل شهرين عن "خالد" الذي تحوَّلت عربته المكسورة علماً في الساحل الغربي، موسمي آخر، لا يزال في جبهته حتى وقد صار بيد واحدة.. وموجع يا "صلاح" أني أنا وخالد سنقرأ عليك الفاتحة.. ولا ندري هل ستشعر بنا؟
 
يا رجل.. لعن أبوها الادعاءات كُلها، تحت حذائك كل الهيلمانات والتملُّق والزّخرفة.. لك وحدك الرجولة يا صلاح..
 
"جي ما خابرك".. كانت بصمةً صوتيةً لك..
 
في اليمن اليوم بصنعاء، خابرتني كثيراً عن "حسن الملصي"، رفيقك في مراكز التدريب والجندية.. إن وجدته، سلّم عليه، سيكون قد عرف أنَّ الخيانة الحوثية أكدت كلَّ ما كنا نخافه نحن وهو، منهم، وأنك مع قلة من رفاقكم أشعلتم ليل صنعاء بالبطولة دفاعاً عن آخر حصون الجمهورية اليمنية ضد "الحوثي"، لكنه انتصر على الجمهورية بالدبابات.
 
كان صلاح من رجال ديسمبر، بعد شهر وأيام لقيتك في "معسكر بئر أحمد" التدريبي الذي لم نجد بعد ديسمبر وطناً سواه لنعيد تجميع أنفسنا..
 
"اديت جهدي"، هكذا قلت وأنت تسرد لي بطولات ديسمبر، بالهاون أنجزت مهامك.. وكنت شهادة على أن صنعاء لم تخُن ولم تبِع..
 
رجال ونساء، صحّحوا لنا الأهداف، وحين وضعتِ الحربُ وزرها وخلت "الثنية"، تسللت خارجاً، وبعد يوم واحد عدت إلى حيث تركت سيارتك، فتحت السيارة وجمعت الأوراق وقطعتها، وفاجأك حوثي يسألك ما تفعل، فقلت له: يا أخي عيال الكلب هذولا سرقوا سيارتي وما رضت تشتغل.. وزدت استأمنته عليها حتى تذهب لإحضار ما يساعد، ولعله طمع بها فتركك تذهب.. هو لم يدرك أنك لم تقصد سواهم بأنهم عيال كلب، وأنهم سيسرقون السيارة..
 
يا صلاح، تشتط غضباً، وأنت تسمع من يتفلسف عن ما كان يجب ولا يجب فعله في صنعاء ديسمبر، وتقول: عادهم يتشرطوا، ما قاتلت فينا إلا الرجولة وحدها، كنا نعلم أننا لحظتها هدف لكل الصفوف، الإخواني والحوثي، والتحالف معهم، فالسِّياسة هي من كانت تقود..
 
الواحد منا ما كان معه مصروف له ولا لعياله.. بعضكم خرجت عجوز من هنا أو شائب من هناك، ومد لهم زاداً، أو مصروفاً يتحرَّك به.
 
لم ترَ "ديسمبر" هزيمة، لأنك لم تتحدث عنها في أي يوم كحدث انتهى، هي عندك البداية، ولا تزال..
 
وتواصلت في مغامرة أخرى، صوب "عدن" المدينة التي فتحت لنا بابها رغم كل المواجع..
 
وهناك بَدَا "صلاح" كأنه التحق بالجندية للتوِّ، وعاد لدوره "مدرباً" لا يساوي جهده حملة الرُتب وأصحاب الشروط والمطالب.
 
وفي "الجاح" التقيتك مرة أخرى وحولك أول وحدات "المدفعية"..
 
كان صلاح كأنه يوم عُرسه، هذه ثلاث هاونات، يوزِّعها في المكان وحوله أفراده يتدربون، وهذه أول عمليات من نوعها..
 
كان يوم عيد، عيد الفطر تقريباً.. ثاني ليالي العيد، اجتمعنا عصراً.. يلتف حوله المتدربون ولا يصدقون أنَّ هذا الصوت الشاحب والجسد النحيل، به كل هذه الطاقة، لا يكلّ ولا يملّ.
 
ويدير بروح متواضعة، ويسأل من يرى لديه معلومة كطالب نجيب، ولا يكترث ببقية الأمور، تعشينا مع "أبوذياب" في علبة ماء حوَّلها إلى مسحقة.. هذا روتي، وهذه حبة طماط وبسباس، ويا الله خزنوا، معانا ليل طويل.
 
كم كان القات والسيجارة، يتفاخران باهتمامك بهما، أنا لا أدخن، لكن كلما رأيتك تبحث عن حبة سيجارة بحثت معك، صلاح لا يحب إلا صالحا..
 
أنت بسيط يا رجل، قسماً بالله ما أعظم بساطتك.
 
ولكني غاضب، أنك مهما كتبنا لن تأخذ حقك، ستختفي، لذا ارفع عيني للسماء الآن وأسأل: عظم وجودك في قلوبنا يا رب، إيماننا بك وحدك سيمنعنا من التلاشي.. أنت تكفي، لكن نيل حبك عسير إن لم تسهله لنا..
 
يا رب.. كان جدي يهتف بنظرة من العين الرحيمة، تداوينا جميعاً، من أمراض سقيمة.
 
لا تضيعنا فيما لا تساوي عندك جناح بعوضة، سألتك بوجهك الذي تشرق بنوره الظلمات..
 
هل تعرف يا صلاح، كلما رأيتك كنت أقول لنفسي، لا تمهل روحه جسده أبداً.
 
أنت الشرح الحقيقي والكامل للبيت الشعري:
 
"وإذا كانت النفوس كباراً.. تعبت في مرادها الأجسام".
 
أكتب بسطحية، أقسم لك أني سطحي، روحي غاضبة، لست أدري ما سيرضيها..
 
ها هو صلاح يرحل، يموت واحد من علامات القيم في بلادي.. أتحدث عن هذه التي أعيش فيها، المقاومة الوطنية، هي بلادنا التي نحاول بناءها.. فكيف ترحل يا صلاح الآن..
 
إيماني بك كبير، واثق أنَّ مثلك آلاف بين هذه الوديان وأشجار النخيل.. سنعرفهم أو سيعرفهم غيرنا إن هزمتنا الصراعات وهمشتنا أنفسنا ضيقاً..
 
إن هزمتني أتعابي سيأتيني صوتك، وأنت تقول لي: نحن ديسمبر..
 
لم يكن مثلك أحد يحسن التفاخر بديسمبر يا صلاح..
 
هل تعبت؟
 
لو كنت حياً لضحكت من سؤالي، أنت موسمي، ومثلكم هو من يُتعبُ التعبَ ولا يتعب هو..
 
أليس موسمياً، صالح، ذلك الشائب الذي أغضبه حارس المعسكر وهو يقول له: قدك شيبة ونحن ما نقبل إلا شباب، فرد بحدته الصارمة "أنت مش حق رجالة أنا بادي لك مصروف وتسير عند مرتك، مش احن في ساحة الجامعة عادتحاكيني عن الشباب، مكانكم أنتم والمجهالة، جيت أختم عمري بالبطولة غصباً عنك"..
 
وحين حكيت له ما سمعته عنه وقد عيَّنه القائد بعد أن سمع به قائداً، ابتسم وسار لما أراد..
 
قال لي صلاح، في آخر لقاءاته: "لاقد بغرت من أي تصرف من أصحابنا أبز لي الية وطريق أقرب مترس حوثي أشفي غليلي فوقهم، فهم أعدائي، أما أصحابي لاقد زعلت منهم أو زعلوا مني ما منها".. أنت صاحب، لست قائداً ولا جندياً، أنت صاحب، ومعك ومع مثلك تبقى الطريق آمنةً، والهدف واضحاً..
 
لديَّ معك تسجيلات لا أدري أين هي الآن، سأبحث عنها.. لكني لا أظنني قادراً على رؤية خيالك مصوراً ويتحدث، أشعر الآن بتبلُّد، بقسوة قلب، بوجع..
 
ما كأني أعرف من أنا.. وما الموت، ولِمَ الحياة ابتداءً..
 
يا بطل..
 
وعداً، سنستعيد روحك، وسنعيد ترتيب إيماننا..
 
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون..