17 يوليو.. ذكرى ميلاد الدولة اليمنية الحديثة وبزوغ عهد التغيير
ما بين الأمس واليوم، يستحضر اليمنيون ذكرى خالدة في ذاكرتهم الجمعية، ستظل حاضرة في وجدان الأجيال القادمة، ليس فقط لما تم إنجازه خلالها من تحولات كبرى، بل لأنها شكلت منعطفًا تاريخيًا في مسار شعب كان يتخبط في الفوضى والاقتتال والانقلابات السياسية المتلاحقة. إنها ذكرى انتخاب الرئيس علي عبدالله صالح رئيسًا للجمهورية العربية اليمنية في 17 يوليو 1978، الحدث الذي أعاد رسم معالم الدولة وأعاد اليمن إلى مسار البناء بعد أن كانت تائهة في دوامات الانهيار.
بداية بناء الدولة.. كفن في يد ورؤية في الرأس
حين دخل الرائد علي عبدالله صالح مبنى مجلس الشعب التأسيسي في صنعاء، كان يحمل كفنه بيد، ورؤية وطنية عميقة في اليد الأخرى. وسط بلد يئن تحت وطأة الاغتيالات السياسية والصراعات المسلحة، تقدّم العسكري القادم من تعز، مدينة الثقافة والمدنية، ليعلن استعداده لتحمّل مسؤولية إنقاذ وطن مهدد بالانهيار، في وقت عزف فيه الجميع عن تولي القيادة خشية مصير مجهول.
انتخبه مجلس الشعب رئيسًا للجمهورية في 17 يوليو 1978، ليبدأ مسارًا جديدًا في تاريخ اليمن الحديث، قاده نحو تحقيق أبرز الأهداف الوطنية: بناء مؤسسات الدولة، إعادة إعمار ما دمرته الفتن، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال الديمقراطية، وصولًا إلى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990.
تحولات نوعية في زمن التحديات
خلال ثلاثة عقود، استطاع الرئيس علي عبدالله صالح إحداث نقلة نوعية في مختلف مناحي الحياة اليمنية: سياسيًا، اقتصاديًا، اجتماعيًا، وثقافيًا. قاد البلاد من التخلف إلى آفاق الدولة المدنية والمؤسسات، ونجح في تثبيت ركائز الدولة في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
أعاد بناء سد مأرب، وبدأ عصر استخراج النفط والغاز، وصولًا إلى تصدير أول شحنة غاز من منشأة بلحاف في 2008. شجّع الزراعة الوطنية، وعزز شبكة البنية التحتية، وفتح أبواب اليمن للعالم عبر دبلوماسية حكيمة جعلت من صنعاء محطة عربية ودولية فاعلة في ملفات الإقليم.
الرئيس الذي وحد القبائل والأحزاب.. وحمى السيادة
تمتع الزعيم الشهيد بصفات فريدة جعلته يحظى بثقة الداخل والخارج. لم يكن مجرد رئيس منتخب، بل كان رجل دولة قادرًا على الجمع بين الحزبية والقبلية، بين القوة واللين، وبين الانفتاح السياسي والحزم السيادي. وفق شهادات سياسيين وعسكريين ومفكرين من مختلف التوجهات، تمكن صالح من توحيد التناقضات اليمنية داخل مشروع وطني، جمع تحت رايته القوى القبلية، الأحزاب السياسية، والشرائح الاجتماعية، ضمن مشروع الدولة.
حافظ على السيادة الوطنية، ورفض كل إملاء خارجي، وراهن دائمًا على الحوار المشروط بالحفاظ على وحدة التراب اليمني ونسيجه الاجتماعي الفريد.
في مواجهة الفكر المتحجر والمؤامرة الكبرى
رغم مساعيه الحثيثة لاحتواء الجميع، فشل الرئيس صالح في التفاهم مع الجماعات المؤدلجة، وعلى رأسها حزب الإصلاح (ذراع الإخوان المسلمين) وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، واللتان مثّلتا المشروع النقيض للدولة المدنية والجمهورية.
عجز عن إقناع تلك الجماعات بالعودة إلى حضن الوطن، بل وتعرض لمحاولة اغتيال آثمة في جامع دار الرئاسة في يونيو 2011، حين قرر خصومه السياسيون تصفية الدولة ومؤسساتها على مذبح الفوضى، فيما عرف حينها بـ"الربيع العبري".
ورغم جراحه، عفا عنهم، وآثر تسليم الراية سلميًا لنائبه عبدربه منصور هادي، الذي لم يكن أمينًا على الأمانة، فسلم البلاد، بكل مكتسباتها، لعصابة الحوثي، التي انقضت على الدولة ومزقت نسيجها الوطني.
انتفاضة الكرامة واستشهاد القائد
أدرك الرئيس صالح أن المهادنة لم تعد تجدي مع أصحاب العقول المتحجرة، فقاد في ديسمبر 2017 انتفاضة الجمهورية، معلنًا مع رفيقه الأمين عارف الزوكا وعدد من الوطنيين، رفضه الكامل لإعادة الإمامة بنسختها الطائفية الممولة إيرانيًا. وختم مسيرته بالشهادة، مدافعًا عن الدولة التي بناها، وعن ثورة سبتمبر وأهدافها الخالدة.
وثيقة الميثاق الوطني.. حلم المصالحة والتنمية
كان صالح يؤمن بالحوار، فجمع القوى والتيارات المختلفة في وثيقة الميثاق الوطني، وأسس المؤتمر الشعبي العام عام 1982، ليصبح الحزب الجامع لمختلف أطياف المجتمع. وانطلق مشروع بناء الدولة على أسس وطنية صلبة، قادته لاحقًا إلى تحقيق حلم اليمنيين الأعظم: الوحدة.
في 22 مايو 1990، أعلن قيام الجمهورية اليمنية من عدن، بعد مشاورات واتفاقات وطنية حاسمة. ورافق ذلك دخول اليمن عهد الديمقراطية، بإعلان التعددية الحزبية، وإجراء أول انتخابات حرة في أبريل 1993.
بناء اليمن الجديد.. وتنمية المحافظات
ركز الرئيس صالح بعد الوحدة على تنمية الجنوب، فأنجز مشاريع استراتيجية في حضرموت وعدن وشبوة، أبرزها طريق المهرة – حضرموت الدولي، ومنح تراخيص تنقيب لشركات عالمية، وبنى بنية تحتية متطورة.
كما حل الخلافات الحدودية مع عمان والسعودية عبر التفاوض، واستعاد جزيرة حنيش من إريتريا عبر التحكيم الدولي دون قطرة دم.
الانقلاب والفوضى.. وتآمر الداخل والخارج
مع مطلع الألفية، بدأت ملامح التآمر تتشكل من جديد. قادت أحزاب اللقاء المشترك، بالتوازي مع تمرد الحوثي في صعدة، موجة جديدة من الفوضى. ومع بدء "الاعتصامات" في 2011، تسلل المشروع الإيراني بشكل رسمي، واستغل الانفلات لفرض أجندته الطائفية.
وتم إفشال الحوار الوطني، ثم تسليم مؤسسات الدولة لجماعة الحوثي على يد حكومة الرئيس هادي، لتدخل البلاد في أتون حرب شاملة، لم تتوقف حتى اليوم، ولا تزال تمزق أوصال الدولة.
17 يوليو.. يوم الحلم اليمني
لم يكن 17 يوليو مجرد تاريخ، بل كان بداية الحلم اليمني في بناء دولة. لا يزال اليمنيون، بعد 46 عامًا، يتذكرون ذلك اليوم بمزيج من الفخر والحسرة؛ فالرجل الذي انتُخب حينها حمل معه حلمًا وطنيًا صنعه من الصفر، وحقق الكثير رغم التحديات، قبل أن تجهضه مؤامرة محلية وخارجية.
إنه يوم يفاخر به اليمنيون، ويستدعون فيه روح القائد الذي بنى الدولة ومؤسساتها، والتي لا تزال – حتى اليوم – تُنهب وتُستخدم من قبل جماعات الفوضى التي لم تبنِ شيئًا، لكنها تجيد فقط الهدم والتدمير.
وفي ذكرى 17 يوليو، يجدد اليمنيون التطلع إلى من يحمل راية المشروع الوطني من جديد، لإعادة الاعتبار للجمهورية، وتحقيق تطلعات الناس في العيش الكريم، وبناء الدولة التي أسسها الزعيم علي عبدالله صالح.