من الذاكرة السبتمبرية.. ثلاث مقولات خالدة لمهندس ثورة 26 سبتمبر وقائدها علي عبدالمغني
يظل الشهيد علي محمد حسين عبدالمغني، المعروف باسم علي عبدالمغني، أحد أعظم رموز الحرية في اليمن، ومهندس ثورة 26 سبتمبر وقائدها الميداني، كما وصفه الرئيس المشير عبدالله السلال في آخر مقابلة تلفزيونية له. ارتبط اسمه بالتحرر والانعتاق من عهود الظلم والجهل، وظل حاضرًا في الذاكرة الجمعية كأيقونة نادرة لمشروع وطني عظيم أعاد لليمنيين هويتهم وكرامتهم.
البدايات الصعبة
وُلد علي عبدالمغني في مديرية السدة بمحافظة إب، وعاش طفولة قاسية بعد انفصال والديه ووفاة والده وهو لم يتجاوز الرابعة. انتقل بعدها للعيش مع والدته وزوجها في مديرية النادرة، حيث درس في الكتّاب وحفظ القرآن كاملًا وهو في التاسعة من عمره. وقد أقيم له حفل تكريم حضره الوزير حسين الكبسي، أحد أبرز رجال النخبة المثقفة آنذاك ووزير الخارجية في حكومة الإمام يحيى. أعجب الكبسي بذكائه وألحقه بمدرسة الأيتام بصنعاء، لتبدأ ملامح شخصيته القيادية في التشكّل.
أولى البذور الثورية
في عام 1948م، التقى عبدالمغني – وكان حينها في الثالثة عشرة – بالقائد العسكري العراقي جمال جميل، أحد رموز ثورة الدستور. سأله الأخير: "أين تكمن السعادة يا علي؟"، فأجاب دون تردد: "السعادة تكمن في الحرية". احتضنه جمال جميل وقال: "أحسنت"، ثم التفت إلى الكبسي قائلاً: "لو فشلنا اليوم، فهذا الولد وأمثاله سيكملون المشوار".
لم تمض أيام حتى فشلت الثورة وأُعدم قادتها، وكان من بينهم الكبسي وجمال جميل. وقد شهد عبدالمغني لحظة إعدام أستاذه جمال جميل في ميدان التحرير بصنعاء، حيث قال قبل رحيله: "لا تحزنوا، لقد حبلناها وستلد". ترك المشهد أثرًا بالغًا في نفسه، وظل حافزًا لمسيرته الثورية حتى آخر لحظة من حياته.
مسيرة تعليمية ونضالية
رغم الفقر، واصل عبدالمغني تعليمه معتمدًا على مبلغ من المال كان قد منحه إياه جمال جميل. تفوق في دراسته الثانوية وحصل على المركز الأول، ثم شارك في قيادة مظاهرات مؤيدة لمصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956م، ما أدى إلى اعتقاله مع عدد من زملائه.
في عام 1958م التحق بالكلية الحربية ضمن دفعتها الثانية، وتخرج منها بترتيب الأول على دفعته، لينتقل بعدها إلى مدرسة الأسلحة حيث التقى بزملائه الذين أسسوا لاحقًا تنظيم الضباط الأحرار. وفي ديسمبر 1961م، كان ميلاد هذا التنظيم الذي تولى التخطيط لثورة سبتمبر.
اللقاء مع عبدالناصر
في منتصف 1962م، سافر عبدالمغني إلى مصر عبر ميناء المخا، وهناك التقى بالرئيس جمال عبدالناصر على متن باخرة في شرم الشيخ. أُعجب عبدالناصر بشخصيته ورؤيته، وتعهد بدعم الثورة اليمنية. وقد عاد عبدالمغني إلى صنعاء أكثر إصرارًا على المضي في مشروع التغيير.
فجر الثورة
مع انطلاق ثورة 26 سبتمبر 1962م، كان عبدالمغني في قلب الحدث، إذ ساهم في صياغة بيانها الأول الذي ألقاه المناضل محمد عبدالله الفسيل. لم يكن يسعى إلى منصب أو سلطة، بل آمن أن الثورة هي غاية وجوده. وبعد أسبوع واحد فقط من انطلاقها، قاد حملة عسكرية إلى مأرب، وهناك استشهد في منطقة حريب في مطلع أكتوبر 1962م، ليكون أول شهداء الثورة وقائدها الملهم.
ثلاث مقولات خالدة
لم يترك عبدالمغني كتبًا أو خطبًا طويلة، لكن كلماته القليلة تحولت إلى مبادئ خالدة. وقد وثق الباحث موسى قاسم ثلاث مقولات قال إنها تكفي عن ألف كتاب لفهم فلسفة هذا القائد الشاب:
«اللهم أسمعني إعلان الجمهورية وأموت»
جملة تختصر حلمه الأبدي في أن يولد اليمن الجديد، حتى لو لم يعش ليرى ثماره.
«نحنُ الغدُ وهم الأمس، والأمسُ مضى والغدُ قادم»
عبارة تحمل اليقين بأن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وأن المستقبل ملك للشعوب الحرة.
«العمر لا يُقاس بالسنين وإنما بما يصنعه الإنسان في هذه السنين»
خلاصة فلسفته في الحياة، إذ عاش 28 عامًا فقط، لكنه صنع خلالها مجدًا وحرية لشعب بأكمله.
إرث خالد للأجيال
رحل عبدالمغني سريعًا، لكن أثره ظل خالدًا. كلما تحل ذكرى ثورة سبتمبر، تتردد كلماته بين الأجيال لتذكّرهم بأن الحرية ثمنها التضحيات، وأن الجمهورية ليست منحة تُعطى، بل حق يُنتزع.
لقد كان عبدالمغني مشروعًا وطنيًا متكاملًا، جمع بين الفكر والإرادة والفعل الثوري. وما زالت مقولاته الثلاث حتى اليوم، بعد ستة عقود من رحيله، تعكس روح الثورة وتلهم اليمنيين في معركتهم المتجددة ضد الاستبداد ومشاريع الارتداد إلى الماضي.