سبتمبر .. نهاية حقبة مظلمة من حياة الشعب اليمني

 سبتمبر .. نهاية حقبة مظلمة من حياة الشعب اليمني
مشاركة الخبر:

كان قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ضرورة وطنية ملحّة للقضاء على الحكم الاستبدادي الكهنوتي السلالي الذي حكم اليمن لقرون بالحديد والنار. ساعدت الحركات التحررية التي اجتاحت المنطقة العربية ضد الاستعمار في إذكاء الرغبة في التغيير الجذري، والتحوّل من نظام إمامي كهنوتي استبدادي إلى دولة جمهورية حديثة تسعى لتحقيق العدالة والمساواة للجميع.

عزلة وفقر مدقع
قبل الثورة، كانت اليمن تعيش عزلة كبيرة، وكانت السلطة مركزة بيد الإمام وأسرته وحاشيته، بينما كان الشعب اليمني يعاني من الفقر والجهل والمرض.
ساهمت الأوضاع المزرية تلك في تغذية الغضب الشعبي وزيادة وعي النخب المثقفة بأهمية التغيير. ومع مرور الوقت، تبلورت فكرة الثورة لدى الشباب المثقف وضباط الجيش الذين استلهموا أفكارهم من الحركات التحررية التي كانت تجتاح المنطقة والعالم.

حركات تحررية تسبق سبتمبر
سبق ثورة سبتمبر العديد من الحركات التحررية، أهمها "ثورة الدستور" التي قادها عبد الله الوزير ضد الطاغية يحيى حميد الدين في 17 فبراير 1948م لإنشاء دستور للبلاد.
فعندما طُرد الأتراك من اليمن بعد الحرب العالمية الأولى، لم يكن الإمام يحيى يملك تصورًا واضحًا لطبيعة المهام التاريخية للدولة اليمنية. ساهم أسلوب حكمه المتخلف في إثارة صحوة فكرية خلال الثلاثينات أقلقت نظام الإمامة وكان لها أثرها، مثل ظهور حركة الأحرار اليمنيين وحركة الأحرار الدستوريين، بالإضافة إلى اشتراك التجار وبعض رجال الإقطاع المستنيرين في حركة المعارضة الجديدة.
وعندما فرّ بعضهم من تعز إلى عدن، كان الإمام أحمد (ولي العهد آنذاك) يردد أنه يريد أن يلقى ربه وسيفه مخضب بدماء "العصريين". وبعد أن تظاهر لفترة بالعصيان على والده، انكشف أمره وظهرت نواياه الحقيقية.
تمكنت الإمامة من نشر أفكار مضللة عن الدستور والأحرار وصوّرت الدستور بأنه اختصار للقرآن وأن الدستوريين كفرة وملحدون.
وعلى الرغم من فشل حركة 1948م، فإنها كانت بمثابة الحجر الذي ألقي في ماء آسن فأحدث هزة قوية في أعماق المجتمع. وقد لقي الطاغية مصرعه ببندقية الشيخ علي بن ناصر القردعي في منطقة حزيز جنوبي صنعاء.

أجهض الإماميون الحركة، واجتاحت القبائل صنعاء فعاثت فيها فسادًا من نهب وقتل. لتتبعها الحركة الثورية التي قادها المقدم أحمد الثلايا في مارس 1955م، والتي هدفت إلى مبايعة الإمام عبد الله وليًا للعهد ونقل السلطة من الطاغية أحمد حميد الدين.
كانت تلك أصعب فترة يواجهها الإمام أحمد منذ توليه الحكم بعد مقتل أبيه، حيث تبلور الخلاف على السلطة بين أفراد الأسرة الحميدية بشكل واضح، خصوصًا بين الأمير الحسن وبقية إخوته. وتحول الخلاف إلى صراع مباشر بعد أن برز كل من الأمير عبد الله والأمير العباس في الحركة الانقلابية التي تزعمها المقدم أحمد الثلايا في مارس 1955م ضد الإمام أحمد، مما دفع الأخير إلى إعدام الأميرين عبد الله والعباس في معتقلهما في حجة، وأصرّ على استمرار نفي أخيه الحسن خارج البلاد، وانتهت هذه الحركة بإعدام المقدم الثلايا.

تنظيم سري
تواصلت التحركات المناهضة للإمام أحمد، وتم إنشاء تنظيم سري باسم "منظمة الضباط الأحرار"، ثم تطورت التسمية إلى "تنظيم الضباط الأحرار".
وفي ديسمبر 1961م، عقدت الاجتماعات، ووضعت التصورات والطموحات التي يراد تحقيقها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحددت الأهداف، وكان للتنظيم فرعان: الأول في تعز، والثاني في الحديدة، وكانت له علاقات داخلية وخارجية وأخرى مع الأحزاب السياسية آنذاك.

الاستفادة من الفشل
درس الضباط الأحرار أسباب فشل الثورتين السابقتين، وتجاوزت ثورة 26 سبتمبر فكرة استبدال إمام معتدل بآخر طاغية كما حدث سابقًا، ووضعت التخلص من الاستبداد الإمامي ومخلفاته في مقدمة أهدافها، وإقامة حكم جمهوري عادل. وقد حظيت الثورة بدعم كبير من جمهورية مصر العربية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر.

اغتيال الإمام أحمد
تمكّن الضباط الأحرار من إطلاق الرصاص على الإمام أحمد الذي أخفى مرضه وصراعه مع الموت، إلى أن انتشر خبر إصابته وأُعلن رسميًا.
وكان الضباط الثلاثة الذين نفذوا العملية هم: الشهيد الملازم محمد عبد الله العلفي، والشهيد الملازم عبد الله اللقية، والشهيد محسن الهندوانة. وقد أصابوه بتسع رصاصات خطيرة، لكنه عاش بعدها ثمانية عشر شهرًا وثلاثة عشر يومًا طريح الفراش، إلى أن وافته المنية في 19 سبتمبر 1962م.

البدر يشعل غضب الثوار
بعد وفاة الإمام أحمد بنحو أسبوع وتولي البدر الإمامة، كان الشعب ينتظر منه إصلاحات حقيقية، لكنه في خطابه الأول أعلن أنه سيسير على نهج آبائه وأجداده وسيضرب بيد من حديد كل من يعارض حكمه.
أثار هذا الخطاب غضب الوطنيين، وفي مقدمتهم تنظيم الضباط الأحرار، مما عجّل بتفجير الثورة. وبعد جدال طويل، تم ترشيح الزعيم عبد الله السلال لقيادة الثورة، فوافق دون قيد أو شرط.

في فجر 26 سبتمبر 1962، تحرك الضباط الأحرار بقيادة عبد الله السلال ضد قصر الإمام البدر في صنعاء، وتمكنوا من السيطرة على العاصمة بعد معارك عنيفة.
ومع طلوع الفجر، خفتت حدة القتال وتمكن البدر من الفرار متنكرًا في زي نسائي مع عدد من المقرّبين، واختبأ في منزل قريب بعد أن استجار بصاحبه.

إعلان ميلاد عهد جديد
وفي السابعة صباحًا من يوم 26 سبتمبر 1962م، بدأ البث الإذاعي بالنشيد الوطني "الله أكبر يا بلادي كبّري" معلنًا ميلاد عهد جديد، هو عهد الثورة والتحرر من براثن التخلف والعزلة والحكم الإمامي الكهنوتي.
وأُعلنت أهداف الثورة الستة التي مثّلت تطلعات الشعب اليمني ورسمت مسار الدولة الجديدة: القضاء على النظام الإمامي الرجعي، إقامة نظام جمهوري عادل، إزالة الفوارق الطبقية، وتحرير البلاد من الاستعمار.
لقد أعطت الثورة الشعب الأمل في الحرية والمساواة والتعليم، وأنهت حقبة مظلمة من تاريخ اليمن.