مأساة جديدة في إب.. انتحار شاب شنقًا وسط صمت الحوثيين وتفاقم الأزمات النفسية
في واقعة صادمة تعكس عمق الانهيار الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، أقدَم شاب يمني على إنهاء حياته شنقًا في مدينة إب، وسط ظروف غامضة وحالة من الغليان الشعبي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث باتت المحافظة – التي يصفها الأهالي بـ"المدينة المختنقة" – مسرحًا متكررًا لحوادث انتحار مأساوية، معظمها لشباب فقدوا الأمل في حياة كريمة.
وقالت مصادر محلية إن الشاب عمار شعيب، وهو في العقد الثالث من عمره، وُجد جثة معلقة داخل منزله في أحد أحياء مدينة إب، بعد أن حاولت أسرته دون جدوى إنقاذه.
وأشارت المصادر إلى أن الأجهزة الأمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين سارعت إلى تطويق المكان ومنعت التصوير، قبل أن تشرع في تحقيق شكلي لم تُعلن نتائجه حتى الآن، في تكرارٍ لسيناريو التكتم الذي يحيط بمعظم القضايا الاجتماعية والجنائية الحساسة في مناطق الجماعة.
حزن عارم وغموض يثير الشكوك
أقارب الشاب أكدوا أنه لم يكن يعاني من أمراض نفسية ظاهرة، وكان يعيش حياة هادئة نسبيًا رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، ما جعل الحادثة تثير تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية التي دفعته للانتحار.
وتحوّل اسمه خلال ساعات إلى وسم متداول على منصات التواصل، حيث عبّر ناشطون عن حزنهم العميق وغضبهم من تكرار هذه المآسي في محافظة إب، مطالبين بتحقيق شفاف ومستقل، وبتحرك مجتمعي جاد لإنقاذ الشباب من براثن اليأس.
وقال أحد الناشطين في إب:
"نعيش في بيئة خانقة، بلا أمل ولا فرص. الشباب يُتركون لمصيرهم في ظل قهر اقتصادي وتسلط أمني لا يرحم. ما يحدث ليس حوادث فردية، بل نتيجة طبيعية لواقع قاسٍ صنعته مليشيا لا تهتم إلا بالجباية والحرب".
إب.. مدينة على حافة الانفجار الاجتماعي
تُعد محافظة إب من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلًا لحوادث الانتحار خلال السنوات الماضية، خصوصًا بين فئة الشباب الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة البطالة والفقر وانسداد الأفق، وسط تجاهل تام من السلطات الحوثية التي حوّلت مؤسسات الدولة إلى أدوات قمع وجباية.
ويقول أحد التربويين في المدينة إن "جيلًا كاملًا يعيش حالة من الإحباط المزمن، بعد أن أغلقت أمامه أبواب التعليم والوظائف وحتى التعبير عن الرأي"، مضيفًا أن "غياب الدعم النفسي والاجتماعي، وتفشي الفساد، وانعدام فرص العمل، كلها عوامل تدفع الشباب إلى حافة الانتحار"
وتشير تقارير محلية إلى أن العامين الأخيرين شهدا ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الانتحار بمحافظة إب، خصوصًا في مديريات المدينة والظهار والمشنة، وغالبية الضحايا من الشباب الذين يعانون من ضغوط معيشية متفاقمة، أو من صدمات نفسية مرتبطة بالأوضاع القاسية التي فرضتها الحرب.
صمت حوثي مريب وواقع خانق
رغم تصاعد هذه الظاهرة، تواصل سلطات الحوثيين تجاهلها بشكل كامل، دون أي تحرك رسمي أو برامج توعية أو دعم نفسي.
ويؤكد ناشطون أن المليشيا تتعامل مع مثل هذه القضايا على أنها "تهديد لصورتها الإعلامية"، فتفرض تعتيمًا مشددًا على الحوادث التي تكشف حجم الانهيار في مناطق سيطرتها.
ويقول أحد الصحفيين المحليين:
"السلطات الحوثية لا تهتم بمصير الناس، بل تخشى فقط من انتشار الأخبار التي تُظهر فشلها في إدارة المجتمع. لذلك نراها تمنع النشر عن suicides (حالات الانتحار) وتتعامل مع الكارثة وكأنها جريمة إعلامية وليست مأساة إنسانية".
أصوات تطالب بالتحرك
منظمات محلية وحقوقية دعت إلى إطلاق برامج وطنية لمعالجة الاضطرابات النفسية وتوفير الدعم الاجتماعي للشباب، معتبرة أن تكرار هذه المآسي يعكس حالة انهيار مجتمعي شامل.
كما طالبت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، الأمم المتحدة بإيلاء الجانب الإنساني في اليمن اهتمامًا أكبر، وعدم حصر الاهتمام في ملفات السياسة والهدنة، لأن ما يجري في الداخل "هو موت بطيء لجيل بأكمله".
مأساة تتكرر.. وصمت يقتل
في ظل الحرب الطويلة وانهيار الخدمات العامة وتفشي البطالة، بات الانتحار وجهًا آخر للمأساة اليمنية التي تتسع يومًا بعد يوم.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذا الصمت سيحوّل الظاهرة إلى "كارثة جماعية"، خصوصًا في المحافظات التي تخضع لسيطرة الحوثيين، حيث يعيش الملايين تحت سلطة قمعية بلا أفق ولا أمل.
إن انتحار الشاب عمار شعيب ليس مجرد حادث فردي مؤلم، بل مرآة لبلد يختنق في صمت، ولسلطةٍ حولت حياة الناس إلى عبءٍ لا يُطاق، بينما تصمّ آذانها عن معاناتهم وتستمر في جباية أموالهم باسم الحرب.