الإمامة الحوثية ومسار المستقبل السياسي والثقافي في اليمن .. ديسمبر يزلزل وجودها
ونحن نحتفل بذكرى انطلاق ثورة الثاني من ديسمبر المجيدة، التي بدأت في انتفاضة 2017، نطرح تساؤلاً مشروعاً: هل بإمكان الإمامة الحوثية المدعومة إيرانياً البقاء كمشروع سياسي وثقافي في اليمن الديمقراطي؟
للإجابة على هذا التساؤل، لا بد من العودة إلى ما مرت به اليمن منذ عام 1978، عندما تولى الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح مقاليد الحكم في شمال البلاد. يومها، حمل الرجل على عاتقه مهمة محو تاريخ وأفكار الإمامة البائدة من عقول اليمنيين، من خلال إنشاء وتشييد الآلاف من المدارس والجامعات والمعاهد التقنية والعلمية. كما اعتمد فكر الوسطية والاعتدال والحوار كنهج لقيادة البلاد على مدار 33 عاماً.
إن نضال المؤتمر الشعبي العام وزعيمه الرئيس صالح، وما زرعه في نفوس وعقول اليمنيين من إيمان بالحرية والتطلع نحو مستقبل أفضل عبر التسلح بالعلوم الحديثة والمتطورة، فضلاً عن دعوته في انتفاضة ديسمبر 2017 لمواجهة الفكر الحوثي المتخلف ووصاياه العشر في هذا الخصوص، كفيل بأن يرفض فكر الحوثيين المبني على خرافة "الحق الإلهي"، الذي شوه الشريعة الإسلامية السمحة، وقوض فكر الحرية والديمقراطية والهوية اليمنية.
أخطر الحركات الفكرية
لا شك أن الحركة الحوثية، التي بدأت بذورها في ظروف ملتبسة وغامضة، ثم تصاعدت تحت مسميات وأهداف متعددة، جمعت بين أكثر من توجه، وراوغت جميع الأطراف، تُعتبر من أخطر الحركات التي صعدت في الحياة السياسية اليمنية خلال تاريخ اليمن القديم والمعاصر. وإن فكرها المتخلف المبني على الخرافة والمعتمد على النظرية الإيرانية في ولاية الفقيه في الحكم، ربما يكون سبباً كافياً في تلاشيها فجأة بحسب المراقبين والمتابعين. خاصة وأنها اتخذت سياسة لا مبالاة، واتبعت سياسة "الضرب بيد من حديد" مع المكونات الأخرى التي كانت ولا تزال في موقف الخصم. وكان آخر هذه المكونات، حزب المؤتمر الشعبي العام المناضل التاريخي، والحافظ الأول والأخير على النظام الجمهوري، ومؤسس الديمقراطية والحرية في اليمن، ومحقق الوحدة، وجامع اليمنيين تحت فكر لا يمكن رفضه باعتباره يحترم جميع الأفكار غير الضارة وغير المضللة التي لا تؤثر على مستقبل اليمنيين.
ومع انطلاق شرارة ثورة ديسمبر في الانتفاضة المباركة التي قادها الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، مؤسس المؤتمر الشعبي العام وقائده، في 2017، واستمرارها حتى اليوم كثورة تحمل مشعل استعادة الجمهورية ورفض طمس الهوية اليمنية، ومنع تدفق المد الفارسي الخميني نحو أقدم حضارة إنسانية في التاريخ وموطن العرب الأصلي، وحامي الدين الإسلامي الحنيف غير المشوه، فإن الحوثية في طريقها إلى الزوال.
فكل المؤشرات والمعطيات على الأرض والتاريخ تؤكد أن الحركة الحوثية قابلة للانهيار في أي لحظة، على وقع تحركات كوادر المؤتمر الشعبي ومن خلفهم شعب لا يرحم من يمس عقيدته وهويته الوطنية وحياته الكريمة التي منحها له الزعيم صالح. وقد يتعدى هذا الانهيار إلى مموليها وداعميها في الداخل والخارج.
الاعتماد على المخالفات الإنسانية
من الشواهد التي تؤكد على زوال العصابة الإيرانية وتداعيات نهجها، وفكرها، وعقيدتها، وانتمائها الوطني، أن عصابة الحوثي الإيرانية تعتمد في استمرارها على فرض القوة على الشعب اليمني، حيث تفرض الجبايات المالية المستمرة التي بدأت الفئات الاجتماعية اليمنية ترفضها، لتفضيلها المواجهة، وهو ما كان شرارة من شرارات ثورة ديسمبر المجيدة.
أساليب بقاء العصابة الحوثية
من العوامل التي تساهم في بقاء تلك العصابة هي استغلالها لمؤسسات الدولة والمساجد التي بناها اليمنيون على مر العصور، سواء تاريخياً أو حديثاً، بالإضافة إلى استخدامها للإعلام الرسمي للترويج لفكرها الضال والمتخلف. كما أن العصابة الحوثية لا تتوانى في زج الأطفال في جبهات الموت، والترويج لأيديولوجيتها عبر ما يسمى "المراكز الصيفية" والدورات الثقافية، وهو ما بدأ الشعب اليمني يستشعره كتهديد حقيقي ويرفضه شكلاً ومضموناً.
فشل الحوثي في كسب الشعب
التقارير الميدانية تؤكد أن عصابة الحوثي فشلت في طمأنة الشعب اليمني من مخاوف الهيمنة المطلقة ومن أساليبها القمعية تجاه معارضيها. فقد تجلى ذلك في ملاحقتها واعتقال قيادات حزب "المؤتمر" الوطني، بالإضافة إلى انتشار الفساد بشكل رسمي وفضحها لغطائها العقائدي الذي يرفض حتى الزيدية المعتدلة التي تعايش معها اليمنيون لقرون. كما أن استمرارها في منع صرف مرتبات الموظفين وإيصال مناطقها إلى حالة من الجوع والفقر المدقع يعكس تدهور الأوضاع بشكل غير مسبوق.
الشرارة الثورية لا تزال مشتعلة
كل هذه المعطيات، إلى جانب استمرار شرارة ثورة 2 ديسمبر وتنامي الفخر بالانتماء إلى حزب الشعب الأول (المؤتمر)، وانتظار ساعة الصفر من القائد المرجو لهم، تؤكد أن الثورة ضد الإمامة الحوثية مستمرة. وهذه العصابة باتت منبوذة عالمياً قبل أن تكون منبوذة في الداخل.
ثورة ديسمبر وانقاذ اليمن
وتؤكد المعطيات الميدانية في مناطق سيطرة العصابة الحوثية أن مهمة ديسمبر لن تكون صعبة في إنقاذ اليمنيين من الخطر الإيراني. فالشعب اليمني يعد أحد أهم عوامل نجاح هذه المهمة، خاصة في ظل تعاطف الشارع مع حزب المؤتمر الذي يظل العامل الأقوى لصناعة مستقبل اليمن بعيداً عن الحوثية المتخلفة التي تسعى إلى إعادة اليمن إلى الوراء، ووقف تطوره الذي أسسه الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، قائد ثورة ديسمبر.
معطيات انهيار الحوثية
وفي هذا الإطار، فقد وثقت العديد من المنظمات ووسائل الإعلام المهتمة، والمراقبون تقارير مخيفة عن الفقر والتعسفات، وإشراك الأطفال في المعارك، وقمع الحريات، وتعبئة السجون بالناشطين والمناهضين، ومحاولة إيجاد خطوط للتجنيد على كل الأصعدة. أضف إلى ذلك إشراك المرأة في التجنيد للمهمات الخاصة تحت مسمى "الزينبيات"، إلى جانب التسبب في انتشار الجوع والفقر والعوز، وجرائم قتل الأقارب، واغتصاب الأطفال من الجنسين، واللواط والدعارة والترويج للمخدرات. وكلها عوامل ومؤشرات انهيار لكيان العصابة الإيرانية، فكل ذلك مرفوض بالمطلق من المجتمع اليمني الذي بدأ يستشعر الخطر الحقيقي على كيانه الاجتماعي والديني، الذي تمثله الإمامة الحوثية بتبنيها كل تلك الجرائم والموبقات.
لقد استشعر الرئيس الشهيد صالح وحزب المؤتمر ذلك الخطر مبكرًا، ونبّه وحذّر منه مرارًا، لكن الشعب كان مكبوتًا بقوة السلاح الإيراني. فالآن رفض الخوف وكسر حاجزه، وترسخ فكر ونهج الثورة التي أطلق شرارتها الصالح في ديسمبر 2017، لتبقى بعد ثمان سنوات مستمرة لأنها تحاكي المستقبل الأفضل لليمن.
قد فتحت الحوثية على هذا البلد بابًا شديد التعقيد، ونكأت جراحًا لن تلتئم بسهولة، وفرضت تحولًا قلقًا على المستوى السياسي والاجتماعي والإقليمي والدولي، وحملت الشعب اليمني وزر حرب مأجورة ومجيرة لصالح إيران باستهدافها للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتبنيها زورًا نصرة غزة وقضية فلسطين، لتتاجر بها أمام العالم، لتمحو تاريخًا طويلًا من دعم اليمنيين وحكوماتهم لقضية العرب والشعوب الإسلامية الأولى: فلسطين.
استغلال المذهبية السياسية
شكلت ثورة ديسمبر وعاءً سياسيًا وفكريًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا لليمن، باعتبارها امتدادًا لتاريخ طويل من العمل التنموي والاقتصادي والسياسي الذي اختطه المؤتمر الشعبي العام وزعيمه منذ ثمانينات القرن الماضي. فكانت الحائل والمانع أمام انتشار الهاشمية السياسية التي تحاول الحوثية الترويج لها عبر فكرها الإثني عشري الإيراني.
ووفقًا للتقارير الميدانية التي كشفت ملابسات العمل السياسي المذهبي للحوثيين الذين استغلوا صراع القوى الحاضرة على الأرض، أحزاب اللقاء المشترك وحلفاؤهم، على مكاسب فوضى 2011، للتوغل في جسد الأمة اليمنية، بينما بقي المؤتمر الشعبي العام وحيدًا يناضل لمنع ذلك التوغل، بينما استمرت تلك الكيانات في صراع تقاسم المكاسب والثروة والمصالح حتى اليوم.
ورغم ذلك التوغل الحوثي عبر استغلال المذهبية السياسية المسماة بالأسرة الهاشمية، إلا أن المؤتمر الشعبي العام استطاع خلال مشاركته للحوثيين سياسيًا، أن يحد من ذلك التوغل، ووصل إلى حد المواجهة معه في ديسمبر 2017، وقدم تضحيات جسيمة أبرزها الشهيد صالح ورفيقه الأمين عارف الزوكا وكواد مناضلة عدة.
ومع ذلك استغلت الإمامة الحوثية ذلك وسارعت في صعودها وبسط نفوذها على مؤسسات الدولة، ووجدت تعاطفًا أمميًا معها، والتعاطي مع الأحداث والتعامل مع خصومها، وخاصة قيادات وكوادر حزب المؤتمر الشعبي العام، والذي اعتبر وطنيًا وشعبيًا مؤشرًا خطيرًا على مستقبل اليمن، وأنها تسير بأحادية غير محسوبة ولا مدروسة، إلا بما يوافق رؤيتها التي ليس لها ملامح واضحة، لتبدأ استشعار الخطر الذي حذر منه الصالح وطلاق شرارة الثورة ضده وتركها تموج في جبال من الصراع ضد البقاء حتى وصلت اليوم إلى ذروتها لتنذر بالانفجار الشعبي الذي سيقود لتحقيق وصايا الزعيم الهادفة لاستعادة الجمهورية والدولة والحفاظ على مكتسبات الثورة اليمنية والمحافظة على الوحدة اليمنية.
مؤشرات انهيار الحوثية
إن وقوع 17 مليون يمني تحت خط الفقر والحاجة الماسة إلى مساعدات عاجلة، دليل دامغ على أن الحوثية تنهار، ودليل على رفع مستوى الرفض الشعبي لها، خاصة مع استمرارها في استدعاء العدوان الخارجي ومزيد من الصراعات الذي يسبب خسائر بشرية ويقود لتدمير شامل وكامل للبنى التحتية. ودخول العصابة مرحلة الشلل نتيجة الضربات التي تلقتها وخسائرها التي تكبدتها جراء تلك الضربات، وعجزها التام عن الوفاء بالتزاماتها وتسليم رواتب الموظفين وتوفير السلع الأساسية للأسواق المحلية بالأسعار المقبلة، ناهيك عن الشلل التام في الدوائر الحكومية والقطاع الخاص. وهذا الأخير بدأ يخوض معركة الخلاص برفضه الضرائب المقرة مؤخرًا، وإغلاق العديد من المصانع والشركات، وهروب العديد من رؤوس الأموال، فضلاً عن استهداف المراكز المالية للدولة وعملته الوطنية، والملاحة الدولية، كلها مؤشرات انهيار للحوثية، واستمرار ثورة الخلاص التي أعلنها الصالح.
أخيرًا..
من المسلمات التي يجب أن التنبه لها، أن الفكر الحوثي يعتمد على "المراوغة والمناورة السياسية والتنصل من الاتفاقات والمعاهدات"، وهي مسلمة من مسلمات الفكر الحوثي، الذي يستنهض فكرة (البداء)، التي تعني في اللغة "الظهور بعد الخفاء" والتي ترفضها الزيدية ولا يقولون بفكرة البداء. غير أن الجاروديين في غالبهم يقولون بفكرة البداء، ومن ثم فيغلب على الحوثيين أن يكونوا على هذا المفهوم وبالتالي فهم ينتهجون المراوغة والمناورة السياسية والنكث للعهود وعدم الوفاء بالعهود بدليل ما كانت تتناوله الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المختلفة بشأن اختراقاتهم المتكررة لاتفاقات الصلح والهدنة أثناء حروبهم مع الجيش ومع القبائل. وأهم تلك النكث خروجهم عن اتفاق المهادنة مع المؤتمر الشعبي العام، وإعلانهم التنصل عن كل الاتفاقيات التي تصون مؤسسات الدولة وتحمي التعليم من التجريف والتحريف، لتبدأ مقاومة المؤتمر وزعيمه لتلك الخروقات واستهداف التعليم على وجه التحديد.