ذكرى أليمة في تاريخ اليمن الحديث
يأتي الرابع من ديسمبر كل عام محمّلًا بوجع لا يهدأ، وذكرى ثقيلة على قلب اليمنيين، يومٌ طُويت فيه صفحة قائد سياسي ترك بصمته البطولية في كل زاوية من الوطن، ورحل في لحظة فارقة لا تزال آثارها تنعكس على واقع اليمن الممزّق حتى اليوم.
إنّه اليوم الذي استُشهد فيه الرئيس السابق علي عبدالله صالح ورفيقه الأمين عارف عوض الزوكا، إضافة إلى نخبة من رجال الانتفاضة الذين قدّموا أرواحهم في مواجهة مشروع العنف والفوضى الذي ابتلع الدولة ومؤسساتها.
كان 4 ديسمبر 2017 أكثر من مجرد تاريخ؛ كان منعطفًا غيّر ملامح المشهد اليمني برمّته. فقد رأى اليمنيون فيه نهاية رجل حكم البلاد لعقود، وقادها في مراحل مفصلية، ونجح — رغم كل التحديات والعثرات — في الحفاظ على تماسك الدولة ووحدة مؤسساتها.
برحيله دخل اليمن نفقًا أكثر ضيقًا، تزداد ظلمته عامًا بعد آخر، وكأن البلاد فقدت آخر سند لها وسط عاصفة من الانقسامات والانهيارات.
استشهاد "الزعيم" لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان صدمة وطنية فجّرت مشاعر الحزن والغضب، وفتحت الباب أمام أسئلة كبرى عن المستقبل، وعن ثمن غياب الدولة، وعن معنى أن تُترك البلاد لقوة الأمر الواقع بعيدًا عن الإجماع الوطني ومؤسسات الحكم الشرعي.
أما الشهيد عارف الزوكا، الرجل الذي بقي وفيًّا حتى اللحظة الأخيرة، فقد قدّم نموذجًا للثبات ونكران الذات، حيث اختار أن يكون إلى جانب رفيقه لا أن يبحث عن نجاة فردية، فصارت ذكراه متجذّرة في الوجدان الشعبي كرمزٍ للصداقة والوفاء في أشد اللحظات قسوة.
اليوم، وبعد سنوات على تلك الحادثة، لا يزال اليمن يدفع ثمن انهيار الدولة، وغياب المؤسّسات، وانفلات الفوضى التي اندفعت بقوة منذ لحظة اغتيال ذلك المشروع الوطني الذي حاول أن ينهض مجددًا في آخر أيام صالح. ولا يزال كثيرون يتساءلون: كيف كان سيكون حال اليمن لو أن تلك الانتفاضة كُتبت لها النهاية التي حلم بها أصحابها؟
إن استحضار ذكرى 4 ديسمبر ليس دعوة لاستعادة الماضي بقدر ما هو جرس إنذار للمستقبل؛ تذكير بأن غياب الدولة كارثة لا تُعوَّض، وأن الفوضى حين تُفتح أبوابها لا تُغلق بسهولة، وأن مشروع العنف حين ينتصر، فإن الوطن هو الخاسر الأكبر.
وفي هذا اليوم الأليم، يرفع اليمنيون أيديهم بالدعاء لروح الشهيد علي عبدالله صالح ورفيقه عارف الزوكا وجميع شهداء الانتفاضة الميامين، سائلين الله أن يرحمهم وأن يُخرج اليمن من هذا النفق الطويل إلى رحابة السلام والدولة والعدل.
رحم الله الشهداء، وحفظ اليمن من كل سوء.