مليشيا الحوثي تحول الموارد للخدمات الارهابية على حساب المدنيين

مليشيا الحوثي  تحول الموارد للخدمات الارهابية على حساب المدنيين
مشاركة الخبر:

يسود في الأوساط الرسمية وغير الرسمية داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي في صنعاء منذ أسابيع مؤشرات قوية على تحول جذري في أولويات القيادة العليا نحو التحوط للمستقبل الأمني على حساب الخدمات العامة والاقتصاد المحلي. ويتزامن هذا التحول مع تطورات إقليمية، أبرزها توقيع اتفاق التهدئة في غزة، والاتفاق السعودي–الإيراني بشأن اليمن، مما أثار مخاوف لدى أصحاب القرار داخل المليشيا من تدهور قدرتهم على مواجهة أي تصعيد محتمل في الشمال والشرق.

الأزمة المالية تتحول إلى أداة لسيطرة المؤسسة العسكرية

أفاد مصدران مطلعان في ديوان وزارة المالية بصنعاء بأن توجيهات عليا صدرت لقيادة الوزارة بوقف تمويل جميع المشاريع الحكومية المدرجة قبل مقتل رئيس وزرائهم السابق وعدد من الوزراء الحوثيين البارزين في المواجهات الداخلية الأخيرة. وأوضح المصدران أن المشاريع المتأثرة لا تتجاوز ثمانية، لكنها كانت تمثل كُلفة اجتماعية عالية في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية.

في تفاصيل أكثر، قال أحد المصدرين إن التوجيهات الجديدة نصت على عدم تمويل أي مشروع تزيد كلفته على مليوني ريال يمني، وتحويل جزء كبير من الإيرادات إلى “قنوات خاصة” خارج البنك المركزي، في إشارة إلى اقتصادات موازية مرتبطة مباشرة بمجاميع اقتصادية داخل الجماعة. وأضاف أن القيادة تتلقى توجيهات بتوجيه الإيرادات بشكل شبه شهري إلى هذه القنوات التي يعتقد أنها تدعم المجهود الارهابي والتحشيد الداخلي.

هيكلة عسكرية داخل هيئة الأركان العامة

من جهة أخرى، كشف مصدر عسكري كان يعمل في رئاسة هيئة الأركان العامة بصنعاء عن تغييرات واسعة يجري تنفيذها منذ تعيين يوسف المداني رئيسًا للأركان. وأكد المصدر أن تغييرات هيكلية تشمل مراكز قيادة عدة قطاعات داخل الهيئة، رغم أن غالبية الموظفين محسوبون على الجماعة، إلا أن تزايد حالة عدم الثقة بين مراكز النفوذ وراء التحولات. وأشار إلى أن مقتل رئيس الأركان السابق هاشم الغماري ما زال يُلقي بظلاله على العلاقات الداخلية ويحفز عمليات إعادة ترتيب.

وأكد المصدر أن المداني يعمل على تبني سياسة إنشاء بنى تحتية عسكرية واسعة استعداداً لأي سيناريو متوقع، وذلك في ظل مخاوف من تدخلات عسكرية محتملة تستهدف مناطق سيطرة الجماعة في الشمال والوسط. وتشمل هذه البنى التحتية إنشاء قواعد لوجستية، وخنادق، وملاجئ تحت الأرض في المناطق الجبلية.

شبكات أنفاق وتجهيزات في الجبال الاستراتيجية

وتعزز مصادر في المنطقة العسكرية الرابعة هذه الصورة، موضحة أن الجماعة بدأت منذ سبتمبر الماضي عبر عناصر أُرسلت من صنعاء في إنشاء شبكة أنفاق ومخازن تحت الأرض في المناطق الجبلية الاستراتيجية المطلة على الطريق الرابط بين محافظتي تعز وإب. وقالت المصادر إن عشرات الأنفاق والمخازن تم استحداثها في جبال الحيزم والنقيلين، فضلاً عن مواقع قرب الأشلوح في مديرية السياني، وجبال أخرى في مديرية السبرة بمحافظة إب.

كما لفتت المصادر إلى أن أعمال حفر وإنشاءات إضافية تجري على طول الجبال الجنوبية في مديرية ماوية شرق مدينة تعز، وصولاً إلى الجبال المحيطة بمدينة الراهدة على طريق كرش–الشريجة، إضافة إلى شق طريق جديد نحو الجبال الواقعة شمال مدينة تعز في مديرية التعزية، وهي مواقع تعتبر نقاط ارتكاز للعمليات العسكرية المحتملة.

سكان محليون يشهدون تحركات ليلية مريبة

يؤكد سكان محليون في المناطق الجبلية سماعهم تفجيرات ليلية متكررة، فيما يتم استخدام مواقع محددة لإطلاق قذائف مدفعية باتجاه مدينة تعز، خصوصاً من الجبال الغربية لمديرية السبرة ومحافظة إب وجنوب ماوية بتعز. وأبلغ السكان عن وصول شاحنات نقل ثقيل إلى تلك المواقع عبر طرق مستحدثة بعيدة عن التجمعات السكانية، ما يثير مخاوف من تحويلها إلى قواعد لوجستية عسكرية.

الاقتصاد يتراجع والمصالح تُجابه بإجراءات مفاجئة

وفي مؤشر آخر على تدهور الوضع الاقتصادي، قال مصدر في مصلحة الجمارك والضرائب بصنعاء إن رفع الرسوم الجمركية على أغلب السلع المستوردة لم يكن قرارًا أصدرته المصلحة نفسها، بل جاء بتوجيه مباشر من رئيس الهيئة دون عرضه على قيادة المصلحة، تنفيذًا لتوجيهات مكتب زعيم الجماعة. وأوضح المصدر أن المبرر المعلن هو “تشجيع الصناعات المحلية”، غير أن ذلك لا يخفى محدودية قدرة الإنتاج المحلي على تلبية احتياجات الأسواق، خاصة في العاصمة والمناطق المكتظة سكانياً.

وأشار المصدر إلى أن الجزء الأكبر من إيرادات الهيئة لا يُستخدم في دعم الاقتصاد المحلي، بل يتم “تجييرها” إلى حسابات في شركات صرافة، ويفترض أنها تُخصّص للمجهود العسكري والتجهيزات، في ظل توترات إقليمية غير مسبوقة.

قطاع التعليم يتقلص والموظفون يدفعون الثمن

وفي تطور يدلل على عمق الأزمة، أكد مصدر في ديوان وزارة التربية والتعليم بصنعاء أن نحو عشرة آلاف تربوي من الفئة (ب)، الذين يتقاضون نصف راتب، تم استبعادهم ونقلهم إلى الفئة (ج) التي تصرف لها نصف الراتب كل ثلاثة أشهر، بدعوى أنهم “فائضون عن الحاجة”. وأوضح المصدر أن القرار جاء بتوجيه من وزارة المالية، التي تعتزم نقل نحو 20 ألف موظف من الفئة (ب) إلى (ج) بحجة تراجع الإيرادات، مع توقع أن تشمل المرحلة المقبلة محافظات صنعاء وذمار وإب بمزيد من التقليص.

المحليات تضغط لتمويل الحرب

كما أفاد مصدران يعملان في أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء بأن توجيهات صدرت قبل قرابة شهرين من مكتب الرئاسة بصنعاء تقضي بتخصيص 30% من الإيرادات المحلية للمجهود الحربي، مع الإشارة إلى أن أغلب تلك الإيرادات تأتي من صناديق النظافة في الأمانة والمحافظة، مما يفاقم أزمة الخدمات الأساسية.

استحداثات قتالية وأصوات انفجارات في الجبال المحيطة

وتتكامل هذه التحولات مع ما يحدث في الجبال المحيطة بالعاصمة صنعاء من الجهتين الجنوبية والغربية، حيث تستمر الأعمال القتالية من حفر خنادق، وشق طرق جديدة، وإنشاء مواقع تحكم ميدانية، مع تشديد الإجراءات الأمنية في محيطاتها. وسجل سكان في مناطق “حزيز” و”ضبوة” و”سنحان” و”بلاد الروس” سماع انفجارات شبه يومية منذ أكثر من شهرين، ما يعكس استنفاراً غير مسبوق في تلك الجيوب الجبلية.

نقل أسلحة وعناصر لوجستية نحو الشمال

وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني يعمل في أمن أمانة العاصمة بأن نقل الأسلحة والجنود يتم على الطريق الرابط بين صنعاء وصعدة على متن أطقم وناقلات جند منذ منتصف نوفمبر الماضي، معظمها في ساعات منتصف الليل، في محاولة لتجنب المراقبة، وتوفير حماية لوجستية لمواقع “حساسة” في الشمال.

تنقلات في صفوف الأمن وتقاعد إجبارية

وأشار المصدر إلى أن عملية إعادة الترتيب والاستغناء تستهدف العناصر الأمنية القدامى في مناطق العاصمة، حيث تم إحالة كبار السن إلى التقاعد، وأُبلغ آخرون بالبقاء في منازلهم، بينما نُقل البعض إلى محافظات أخرى، في عملية تشبه ما حدث العام الماضي، حيث طالت تغييرات واسعة في صفوف الأمن.

الخدمات الصحية تتراجع وسط انكباب الموارد على الحرب

على صعيد الخدمات الاجتماعية، قلّصت هيئة الزكاة المساعدات العلاجية التي كانت تقدمها للمرضى بشكل ملحوظ، حيث خفضت ميزانيتها المخصصة لمساعدات المرضى منذ سبتمبر الماضي إلى نحو 30% من سابقها. وذكر مصدر في قطاع المصارف بالهيئة أن المساعدات التي كانت تُقدم للمرضى في الخارج توقفت تماماً دون توضيح الأسباب، بينما أفاد مصدر قريب من الهيئة بأن جزءاً كبيراً من إيراداتها وُجه للجانب العسكري. وأضاف أن رئاسة الهيئة تدرس خطة لرفع إيراداتها خلال شهر رمضان القادم، وأن قراراً اتخذ قبل أشهر يقضي بجمع أموال من المكلفين “تحت الحساب” لسنوات قادمة.

خلاصة: الخدمات تتراجع لصالح التحشيد العسكري

تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن الجماعة في صنعاء، تحت تأثير الضغوط الإقليمية والداخلية، تعيد ترتيب أولوياتها بشكل قوي نحو الإجراءات الأمنية والتحشيد العسكري، على حساب الخدمات العامة والاقتصاد المحلي، في تحول قد يكون له آثار بعيدة المدى على الاستقرار المعيشي والاجتماعي في مناطق سيطرتها.