جريمة دار الرئاسة من الجرائم التي لم يكشف حتى الآن عن نقابها أو الكثير من خيوطها
تُعد جريمة تفجير مسجد دار الرئاسة واحدة من أبشع الجرائم السياسية والإرهابية التي عرفها اليمن في تاريخه الحديث، ليس فقط لأنها استهدفت رئيس الدولة آنذاك الشهيد الزعيم علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية، بل لأنها ارتُكبت في مكان يفترض أنه ملاذ للسلام والطمأنينة: بيت من بيوت الله، وأثناء أداء صلاة الجمعة. هذه الجريمة، مهما حاول المتورطون طمس معالمها أو الهروب من استحقاقاتها، ستبقى وصمة عار تلاحق منفذيها والمخططين لها والداعمين، أفرادًا كانوا أم جماعات أم أحزابًا، ولن تسقط بالتقادم، لأن الدم الذي سُفك في المحراب لا يُمحى بمرور الزمن.
لقد كشفت تلك الجريمة عن مستوى غير مسبوق من الانحطاط الأخلاقي، إذ لم يعد لدى منفذيها أي رادع ديني أو إنساني. فاستهداف رئيس دولة وهو ساجد بين يدي خالقه، محاطًا بمصلين أبرياء، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره فعلًا إرهابيًا خالصًا، صادرًا عن عقول تشرّبت الكراهية وتخلت عن أبسط القيم. إن من يتخذ قرارًا كهذا لا يرى في الدين سوى أداة للتوظيف السياسي، ولا يتورع عن تدنيس المقدسات لتحقيق غاياته.
ويرى ناشطون حقوقيون أن هذه الجريمة تمثل الدليل القاطع على الطبيعة العنيفة للتنظيمات التي ترفع شعارات براقة في العلن، بينما تمارس أبشع أشكال الإرهاب في الخفاء. فالجماعات التي بررت لنفسها تفجير مسجد وقتل المصلين هي ذاتها التي اعتادت المتاجرة بالدين، وتحليل الدماء، وانتهاك الحرمات تحت ذرائع زائفة. وما يزيد المشهد قتامة أن بعض الأطراف لم تكتفِ بالصمت، بل أظهرت شماتة صريحة، واحتفلت بالفعل وكأنه “نصر”، في سلوك يكشف سقوطًا أخلاقيًا مدويًا.
من منظور علم الاجتماع، فإن ارتكاب جريمة بهذا الحجم داخل دار الرئاسة يعكس عقلية “الغاية تبرر الوسيلة”، وهي القاعدة التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية لتبرير جرائمها. لكن أي غاية يمكن أن تُبرر محاولة اغتيال رئيس دولة داخل مسجد؟ وأي مشروع سياسي ذاك الذي يبدأ بتدنيس المقدسات وسفك الدماء؟ إن هذه الأسئلة وحدها كافية لإدانة الفعل ومن يقف خلفه، ولفضح زيف الادعاءات التي رُوّجت عن “السلمية” و”الثورة الأخلاقية”.
الأخطر من الجريمة ذاتها كان رد فعل بعض القوى في الشارع آنذاك، حيث بدا واضحًا أن هناك من كان على علم مسبق بما سيجري، أو على الأقل مهيأ نفسيًا لتقبله والاحتفاء به. غير أن فشل المحاولة، ونجاة الرئيس، شكّل صدمة لمن راهنوا على إدخال البلاد في نفق دموي. وبرغم إصابته، اختارالشهيد الزعيم علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية الاسبق التمسك بالحكمة، ووجّه رسالة تهدئة إلى الشعب، مؤكدًا أن سلامة اليمنيين هي الأولوية، ومحذرًا من الانجرار إلى حرب أهلية كان يمكن أن تلتهم الأخضر واليابس.
لقد كان ذلك الموقف، في حد ذاته، إدانة أخلاقية مضاعفة للمتآمرين. فبينما سعى أولئك إلى إشعال الفتنة ودفع البلاد نحو الفوضى، فضّل الرئيس المصاب الاحتكام إلى القضاء، والدعوة إلى ضبط النفس، إدراكًا منه أن الهدف الحقيقي للجريمة لم يكن شخصه فحسب، بل استقرار اليمن ووحدته. غير أن مسار العدالة تعرّض لاحقًا لعرقلة متعمدة، حين تدخلت قوى نافذة لتعطيل المحاكمات، وإخراج المتهمين، في محاولة فاضحة لإغلاق الملف دون حساب.
ويؤكد عسكريون ومحللون أن تفجير مسجد دار الرئاسة لم يكن حادثًا معزولًا، بل جزءًا من مخطط انقلابي دموي. فاستهداف القيادة السياسية والعسكرية في آن واحد، داخل مقر سيادي، يعكس نية واضحة لإسقاط الدولة بالقوة. ولولا التعاطي المسؤول في تلك اللحظة الحرجة، لاندلعت حرب أهلية مدمرة. واليوم، ومع ما يشهده اليمن من انهيار وفوضى وهيمنة مليشيات، تتضح الصورة أكثر: ذات الأطراف التي عطلت العدالة بالأمس هي من قادت البلاد إلى هذا المصير المظلم.
كما ترى باحثات ومراقبون أن جريمة دار الرئاسة أسقطت القناع عن ما سُمّي حينها بـ“ثورة الشباب السلمية”، إذ أظهرت أن العنف كان حاضرًا في صلب المشروع منذ بدايته. كثيرون ممن اندفعوا بحسن نية إلى الساحات اكتشفوا لاحقًا أنهم كانوا أدوات في يد قوى لا يعنيها مستقبل الدولة، بقدر ما يعنيها الوصول إلى السلطة بأي ثمن. وكانت النتيجة دولة منهارة، تحكمها شريعة الغاب، حيث لا أمن ولا عدالة ولا أفق.
ختامًا، ستظل جريمة دار الرئاسة علامة سوداء في تاريخ اليمن، وشاهدًا على أن الإرهاب حين يتدثر بالدين والسياسة يكون أكثر وحشية. ومهما طال الزمن، فإن الحقيقة ستظهر، وسيبقى التاريخ لعنته تلاحق كل من تلطخت يداه بهذه الجريمة، لأن الجرائم التي تُرتكب في بيوت الله لا تُنسى، ولا تُغتفر.