دماء في محراب الوطن .. تفجير مسجد دار الرئاسة .. الجريمة التي كشفت وجه الإرهاب السياسي
في أول جمعة من رجب 1432هـ، الموافق 3 يونيو 2011، استيقظ اليمن على صدى انفجار لم يكن مجرد صوت، بل كان صرخة الوطن كله.
مسجد دار الرئاسة، قلب العاصمة النابض، تحوّل في لحظات إلى شاهد على وحشية لا تعرف دينًا ولا مبدأ.
لم يكن مسجد دار الرئاسة في تلك اللحظة مجرد بيت من بيوت الله، بل كان رمزًا لطمأنينة الدولة وهيبتها، قبل أن تحوّله يد الغدر إلى مسرح لجريمة عمياء لا تعترف بدين ولا بقيم.
التفجير الذي استهدف رئيس الجمهورية الزعيم علي عبد الله صالح وعددًا من كبار قيادات الدولة، لم يكن محاولة اغتيال فحسب، بل اعتداءً مباشرًا على كل يمني كان يحلم بوطن آمن ومستقر، وطن لا تُدنَّس فيه دماء المصلين، ولا تُفجَّر فيه قدسية المكان.
الدماء التي سالت في ذلك اليوم لم تكن مجرد أرقام وإحصاءات، بل كانت أحلام شباب، وكانت عائلات، وكانت حيوات كاملة تتساقط مع حطام الجدران.
أكثر من 14 شهيدًا من المصلين، وعشرات الجرحى، شهدوا على أن الإرهاب ليس مجرد فعل جسدي، بل هو محاولة لقتل الأمل وإطفاء شعلة الوطن. وفي الخارج، في ساحات الاعتصام أمام جامعة صنعاء، صدحت تكبيرات متطرفة، محاولةً تحويل مأساة الوطن إلى أداة صراع سياسي بغيض.
رغم فداحة الجريمة وعِظَم المصاب، ظهر الرئيس الشهيد علي عبد الله صالح برباطة جأش قلّ نظيرها، في تسجيل صوتي قصير، ليطمئن شعبه بأنه ما يزال على قيد الحياة. كان صوته رسالةً للبعيد قبل القريب، موجّهًا نداءً صادقًا بعدم الانجرار إلى الدم، وعدم إطلاق رصاصة واحدة مهما كانت النتيجة. في تلك اللحظة، تجسدت روح القيادة التي تعرف كيف تحمي شعبها، حتى في أحلك الظروف وأشد اللحظات مأساوية.
ما مرّ به الوطن منذ تلك الجريمة من امتحانات صعبة وقاسية، أكد بما لا يدع مجالًا للشك أن فوضى العام 2011، والتي بلغت ذروتها في تفجير مسجد دار الرئاسة، كانت الحلقة الأولى في مسلسل استهداف الوطن، ومحاولة تفتيته، وتدمير جيشه، وتقويض مكتسباته، وفي مقدمتها الوحدة اليمنية.
منذ بدايات احتجاجات الربيع العربي، كانت الدولة تتقدم بخطوات هادئة، تحمل في يدها الحوار والمبادرات الوطنية، بينما كانت القوى المتطرفة تصعّد مطالبها، حتى بلغت ذروة الإجرام في تلك الجمعة المشؤومة، حين لجأت إلى التفجير المدبّر، والشرائح المزروعة، والقذائف المدفعية، لتؤكد أن اليأس قد يجعل الإنسان عدوًا لوطنه.
وما يميز هذه الذكرى الأليمة أنها تأتي وقد اتضحت بجلاء أهداف منفذي الجريمة، وسعيهم المبكر لاغتيال حاضر اليمن الجمهوري والديمقراطي، لصالح مشاريع انقلابية لجماعتي الإسلام السياسي: الولاية والخلافة، ضمن أجندات خارجية لقوى هيمنة إقليمية متآمرة على اليمن.
واليوم، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على تلك الجمعة الأليمة، اتضحت خيوط الجريمة الإرهابية، وانكشف التحالف الخفي لأيدي الشر المتربصة باليمن، من أدوات إيران والإخوان، ممثلةً بمليشيا الحوثي الإرهابية والإخوان المسلمين.
تظل جمعة رجب الأليمة محفورة في ذاكرة اليمنيين، ليس فقط كذكرى مأساوية، بل كدرس وطني في الصمود والوعي، وفي كيفية مواجهة الإرهاب السياسي الذي يسعى لتدمير الأوطان باسم الدين والسياسة.