وسط مخاوف معادلة الأمن الإقليمي والأوضاع الاقتصادية .. اليمن يعيش ارتداد زلزال أحداث الشرق
تتواصل التجاذبات والتراشق بالبيانات بين مكونات الشرعية المعترف بها دوليًا، ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي وحكومته، وسط تباين المواقف الإقليمية والدولية، إلا أن الجميع يتفق على أن ما شهدته المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن يشكل تهديدًا للأمن والسلم الإقليمي والدولي، ويخدم عصابة الحوثي الإيرانية المدعومة من إيران والمصنفة على قوائم الإرهاب الدولي.
بيانات وتحركات ميدانية
وشهدت الساعات القليلة الماضية إصدار مزيد من البيانات والتصريحات من طرفي الصراع والخلاف، الشرعية التي يتصدرها رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، والمجلس الانتقالي الذي يرأسه عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي.
تركزت تلك التصريحات بين إعلان التأييد للانتقالي، وانتقادات لتصريحات نائب وزير الخارجية مصطفى النعمان، وأخرى حول الاجتماع الدبلوماسي في الرياض، وانتشار قوات "درع الوطن" في بعض مناطق محافظتي حضرموت والمهرة، والتي لم يتضح حقيقتها حتى اللحظة.
ووفقًا لمراقبين، فإن الأوضاع لا تزال مرشحة للتصعيد رغم الهدوء النسبي الذي شهده يوم الثلاثاء، والذي أتاح المجال لإعلان اتفاق أطراف النزاع على إطلاق سراح مجموعة من الأسرى بعد جولة مشاورات عقدت في العاصمة العمانية مسقط بين وفد الحكومة اليمنية ووفد عصابة الحوثي الإيرانية، برعاية مكتب المبعوث الأممي لليمن، وبمشاركة عمانية-سعودية-إيرانية.
معادلة الأمن الإقليمي
ومن خلال تتبع المواقف الإقليمية والدولية، يظهر أن المخاوف تتركز حول انزلاق الأوضاع في جنوب اليمن نحو تصعيد إقليمي ودولي، نظرًا لقربها من طرق الملاحة الدولية ومنابع النفط والغاز سواء في اليمن أو الخليج، وما يشكله ذلك من تهديد مباشر لجهود السلام المتفق عليها من قبل الجميع.
وفي هذا السياق، نشرت دورية The Washington Institute الأمريكية تقريرًا وصفت فيه الأحداث الأخيرة في جنوب اليمن بـ"التحول الزلزالي"، مشيرة إلى أن ما يجري لم يعد أزمة داخلية قابلة للاحتواء عبر إدارة الصراع، بل تحوّل إلى عامل مؤثر في أمن الإقليم والملاحة الدولية وتوازنات البحر الأحمر وخليج عدن.
ويؤكد التقرير أن الغرب لم يُعبّر عن موقفه من التحركات الأخيرة في جنوب وشرق اليمن، رغم انعكاساتها الخطيرة التي قد تتجاوز الجغرافيا اليمنية وتهدد مفهوم الدولة اليمنية، وتربك مسار السلام الذي تقوده الأمم المتحدة مع شركائها الفاعلين في المنطقة والعالم.
ويأتي ذلك فيما عبرت كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا ودول أخرى عن موقفها الداعم لعمل الحكومة والبنك المركزي في عدن، بعيدًا عن الصراع الدائر، لضمان استمرار تقديم الخدمات للمواطنين.
تداعيات إنسانية واقتصادية
وخلال الساعات الماضية، بدت المؤشرات الاقتصادية والمعيشية والإنسانية في البلاد مضطربة ومتأثرة جزئيًا بالأحداث الأخيرة في جنوب وشرق البلاد.
وتحدثت بعض التقارير عن تسجيل ارتفاع طفيف في سعر الدولار مقابل الريال اليمني ليصل إلى 447 ريالًا للدولار، بدلًا من 442 ريالًا الذي ظل مستقرًا خلال الفترة الماضية نتيجة الإصلاحات التي قام بها البنك المركزي بعدن والحكومة لوقف التدهور المخيف في أسعار الصرف خلال النصف الأول من العام الجاري.
وسارع البنك المركزي إلى التأكيد على استقلالية عمله وحياده لضمان استمرارية عمليات الاستيراد وحماية الجهاز المصرفي اليمني من الانهيار، واستمرار العمليات المالية الخارجية، كما قام بإغلاق عدد من منشآت الصرافة وسحب تراخيص أخرى لم تلتزم بقواعد العمل المصرفي. إلا أن البنك تعرض لهجوم من قبل ما تسمى "نقابة الصرافيين الجنوبيين" التي اتهمته بالعمل خارج نطاق مسؤولياته، رداً على تصريحات البنك بشأن حياده واستقلالية عمله، وعدم تأييده للانتقالي.
وفي المقابل، شككت مصادر اقتصادية بقدرة المؤسسات الحكومية بعدن على الصمود في وجه المتغيرات الدولية حول اليمن على وقع الأحداث الأخيرة، ووصفت الوضع بأنه صراع مصالح على حساب معيشة المواطنين.
ورغم ذلك، أعلنت وزارة المالية بعدن إطلاق مرتبات جميع القطاعات لشهري سبتمبر وأكتوبر من العام الجاري دون تحديد موعد الصرف. فيما تراجعت خدمة الكهرباء بعد تحسن طفيف خلال اليومين الماضيين، لتعلن شركة كهرباء عدن ارتفاع ساعات الانطفاء من عدة ساعات إلى عشر ساعات بدءًا من يوم الثلاثاء نتيجة نفاد الوقود، مؤكدة تحسن الخدمة في حال حصولها على الوقود.
وتواصل أزمة الغاز المنزلي في عدن ومعظم المناطق المحررة منذ مطلع الشهر الجاري، وتزداد استفحالاً، ما أفقد العديد من الأسر القدرة على إعداد وجبات الطعام. في حين فشل مكتب الصناعة والتجارة بعدن في فرض سعر منخفض للخبز والروتي مقدر بـ50 ريالًا للواحد، ورضخ لإضراب ملاك الأفران لتعود الأسعار إلى 70 ريالًا للواحد.
في الختام:
تبقى الحقيقة الماثلة للعيان والمجسدة في الواقع أن كل ما يجري، وفقًا لمراقبين، يدور في إطار صراع المصالح والمكاسب الإقليمية والدولية، وفي إطار طموحات ومصالح وامتيازات شخصية، والخاسر الوحيد فيها هم المواطنون اليمنيون.
وكل شعارات خدمة المواطن، وتلبية رغباته، وبناء الوطن، وتحسين مستوى المعيشة، تظل شعارات تجارية يستخدمها "تجار الفوضى والتدمير" الممتدة منذ فبراير 2011، مرورًا بالانقلاب 2014، وحرب 2015، وصولًا إلى اليوم، ومن المتوقع استمرارها في ظل غياب القيادة الوطنية والحكيمة التي يثق بها الشعب والمجتمعات الإقليمية والدولية.