(الجزء الثاني) .. محاولات فاشلة لاستقطاب منفذين داخل الحرس والمنشآت الحساسة
أخفق محمد علوان في إقناع عبدالغني العبال بتنفيذ مهمة زرع عبوة ناسفة عند بوابة منزل رئيس الجمهورية في منطقة الثنية، فانتقل إلى طلب آخر تمثل في تزويده بمعلومات عن تحركات الرئيس، على أن يتم لاحقًا تكليف شخص آخر بإطلاق صاروخ (لو) على موكب الرئيس من أحد المحلات التجارية القريبة، غير أن هذا المسعى فشل هو الآخر. كما لم ينجح علوان في إقناع محمد الوزير، أمين مخزن كتيبة الشرطة في الحرس الخاص، بتخريب الأسلحة داخل المخازن عبر نزع الترباس أو قص إبرة ضرب النار، تمهيدًا لهجوم عسكري كان مخططًا أن تنفذه الفرقة الأولى مدرع.
أما محمد إسماعيل المدسم، أحد أفراد حراسة جامع الصالح، فقد استخدم علبتين فقط من أصل خمس علب لحام سري أُرسلت إليه لإصلاح حذائه، واحتفظ بالعلب الثلاث المتبقية في خزانة ملابسه، دون أن ينفذ التكليف الموجه إليه بإعطاب أسلحة حراسة الجامع. وكان الهدف من ذلك تمكين مجموعة من المعتصمين من مهاجمة منصة السبعين باستخدام قنابل دخانية، يعقبها إطلاق نار على رئيس الجمهورية بمسدسات كاتمة للصوت من أحد أفراد المجموعة أو من المدسم نفسه.
وفي السياق ذاته، رفض عبدالخالق أبو روية، المساعد في حراسة مجمع العرضي، وزميله خالد عطية تنفيذ طلب فضل ذيبان المتعلق بزرع عبوات ناسفة في مكتب رئيس الجمهورية داخل المجمع، واقتصر دورهما على جمع معلومات حول الداخلين والخارجين من العرضي وتسليمها لعارف السامعي. كما أبلغ أفراد مجموعة اللواء الثالث، التي كان يرأسها عبدالرحمن الوشاح، إبراهيم الحمادي بعدم قدرتهم على تنفيذ توجيهات الدكتور لبيب مدهش بتنفيذ تفجيرات داخل اللواء في منطقة النهدين، مكتفين بتزويده بمعلومات عن ضباط ومسؤولي اللواء لإيصالها إلى الفرقة الأولى مدرع.
وفي خضم ذلك، كان فضل ذيبان يتولى تنفيذ ما أُسند إليه من تحضيرات لما وُصف بـ«الجريمة الكبرى»، والتي شملت التخطيط لتفجير مسجد دار الرئاسة وصهريج الغاز، وقصف دار الرئاسة ومعسكري اللواء الثالث حرس جمهوري واللواء الثاني حماية باستخدام المدفعية الثقيلة. وفي الوقت نفسه، لم يُحسم خيار اغتيال الرئيس عبر القنص بواسطة الجندي غالب العيزري من الحرس الخاص، رغم محاولات تكليفه بذلك، إذ ظل يعتذر مبررًا ذلك بصعوبة التنفيذ، سواء بسبب الإجراءات الأمنية أو طبيعة موقع الرئيس. وبقي هذا الخيار مطروحًا كخطة بديلة حتى يوم الثلاثاء 31 مايو 2011، حين التقى به محمد علوان ومنحه ما وُصف بالضوء الأخضر، تاركًا له حرية اختيار المكان، ومحاولًا تحفيزه بخطاب ديني، غير أن العيزري جدد رفضه، فانتهى اللقاء دون إصرار إضافي.
الإعداد والتجهيز
إلى جانب البرامج التعبوية الفكرية والدينية التي خضع لها المستقطبون من خلال محاضرات وكتب ألقاها عدد من قيادات الإصلاح، جرى الإعداد العملي للجريمة عبر خطوات ميدانية، من أبرزها فتح معسكرات الفرقة الأولى مدرع لتدريب مجموعات من شباب الحزب ومليشيات قبلية على استخدام الأسلحة المتوسطة والثقيلة، شملت الهاونات، ومدافع (بي 10)، والرشاشات الثقيلة، وقاذفات (آر بي جي)، وصواريخ (لو). وتم توزيع هذه المجموعات في مواقع متعددة قريبة من منازل قيادات عسكرية وقبلية، وتحت إشراف مباشر من قيادات ميدانية.
وتوزعت هذه المجاميع على عدة مواقع، لكل منها عدد محدد من الأفراد وتسليح متنوع، وربطت بقيادة تنسيقية واحدة تولى إدارتها علي راجح تميم، الذي أقر في التحقيقات باستلام شرائح اتصال وتوزيعها على قادة المجموعات، إضافة إلى استلام أوامر صرف أسلحة وذخائر من قيادة الفرقة الأولى مدرع، شملت صواريخ وقذائف وذخائر مختلفة، ونقلها إلى مواقع محددة.
كما أفاد بتردده على مقر الفرقة لإصلاح أسلحة ثقيلة واستلام دفعات من الذخائر، جرى إيصالها إلى منازل قيادات قبلية في منطقة الحصبة.
وفي جانب الاتصالات، تم تفعيل أرقام هاتفية جديدة لصالح المجموعات المسلحة وخلية التفجير دون الرجوع إلى وزارة الاتصالات، كما جرى تعطيل خدمات المراقبة الفنية والفوترة عن الأجهزة الأمنية قبل الحادث بأيام، رغم المطالبات الرسمية بإعادتها.
وعلى الصعيد المالي، خُصصت مبالغ ضخمة لشراء الأسلحة واستئجار المنازل وتمويل المجموعات والخلايا، حيث كشفت التحقيقات عن إنفاق عشرات الملايين خلال فترة وجيزة، شملت شراء كميات كبيرة من المتفجرات والأسلحة، إضافة إلى ما تم صرفه من مخازن الفرقة بأوامر مباشرة من قيادتها. وتشير هذه الأرقام إلى أن التمويل المخصص للعملية كان بمئات الملايين، وربما أكثر، ما يدل على أن المنفذين لم يكونوا سوى أدوات في مخطط أوسع تقف خلفه جهات تمتلك القدرة على التمويل والتخطيط.
تجهيز العبوات الناسفة وتوزيع المهام
تولى فضل ذيبان شراء شرائح اتصال وهواتف بأسماء مزورة، خُصص بعضها للتواصل بين الخلايا، فيما استُخدم بعضها الآخر كوسيلة تفجير عن بُعد. وفي منزله بمنطقة شملان، جرى تفكيك عدد من الهواتف وربطها بصواعق تفجير، واختبار بعضها عمليًا، قبل تجهيزها وتغليفها لاستخدامها في العمليات المخطط لها.
وقبل الحادث بنحو عشرة أيام، عُقد اجتماع في منزل فضل ذيبان عُرضت فيه المتفجرات، وجرى شرح آلية تركيب الصواعق. وفي يوم 30 مايو 2011، انعقد اجتماع أخير في منزل لبيب مدهش، تم خلاله توزيع الأدوار النهائية، حيث تقرر أن يتولى عبدالله الطعامي إدخال المتفجرات إلى معسكر دار الرئاسة، على أن تُسلّم لاحقًا لعناصر أخرى لتوزيعها داخل المسجد وخزانات الغاز.
الساعات الأخيرة قبل تفجير دار الرئاسة
كانت هناك عبارة ظل اليمنيون يترقبون سماعها بشوق طوال أشهر الأزمة، وسؤال يتردد بإلحاح في القرى والمدن على حد سواء. غير أن هذه العبارة، خلال الأسبوعين السابقين لتفجير دار الرئاسة، تحولت إلى كلمة سر أبلغ بها محمد علوان كلاً من الرقيب في الحرس الخاص عبدالله جعدور وزميله محمد الوزير لاستخدامها أثناء الهجوم المسائي الذي شنّته الفرقة على دار الرئاسة.
وفي موقع آخر، كان عبدالرحمن المدومي، العامل في جامعة العلوم والتكنولوجيا، يخاطب المساعد في الحرس الخاص توفيق الزهدمي قائلًا: «ادعوا لإخوانكم، فقد اكتُشفوا وأفادوا بأنهم عطّلوا قواعد صاروخية أو مدافع كانت مهيأة لقصف المعتصمين والفرقة».
أما إبراهيم الحمادي، مدير العلاقات والتسويق في جمعية الإصلاح الاجتماعية الخيرية، والذي ذكر أنه يتلقى التوجيهات والأموال من لبيب مدهش لتوزيعها على خليته، فكان يُبلغ المساعد في اللواء الثالث حرس جمهوري سعد الهدادي وزميليه نبيل المنحمي وعواد المقاطير بأن «الفرقة ستتقدم نحو دار الرئاسة»، مطالبًا إياهم بتعطيل الدروع الموجودة في اللواء، ومغريًا إياهم بمناصب عليا عقب نجاح العملية.
وجرى في تلك الفترة إعداد نفسي مكثف للخلايا وتهيئتها للقبول بالمشاركة، من خلال التأكيد على مشروع «دولة الخلافة» التي كان الدكتور لبيب مدهش يكرر الحديث عنها، مقرونة بتضخيم معاناة الفقر وسوء الخدمات، والترويج لفكرة أن الحل الإسلامي بات قريب التحقق. كما كان يتم لفت أنظارهم إلى ما تبثه قناتا الجزيرة وسهيل من أخبار الانشقاقات والانضمامات في الأوساط العسكرية والقبلية. وعلى أرض الواقع، كان أولاد الأحمر يخوضون مواجهات مسلحة في الحصبة مستخدمين أسلحة الفرقة ومليشيا الإصلاح، ويستولون على مبانٍ حكومية ويحرقون بعضها، في محاولة لصرف الأنظار عمّا كان يُحضَّر له في منزل لبيب مدهش.
وبالتوازي مع ذلك، تسلّم محمد علوان من الرقيب آية الله الدحومة بطاقتي زميليه فهد الزبيدي ومنيف الشراعي، وقام بشراء شرائح هاتف «يمن موبايل» باسميهما لاستخدامها في حال تعذر استعمال شرائح سبأفون، سواء بسبب استهداف الأبراج أو إيقاف الشرائح المخصصة للعملية. ووزعت الشرائح المشتراة باسم الزبيدي على كل من: عواد المقاطير، عبدالرحمن الوشاح، إبراهيم الحمادي، ومحمد عمر الطعامي، فيما وُزعت الشرائح المشتراة باسم منيف على: منير البازلي، محمد الغادر، وغالب العيزري.
وللغرض ذاته، كلف فضل ذيبان ابن أخته شعيب البجري بشراء شريحتين باسمه، بينما تولى هو توفير شرائح أخرى بأسماء مزورة ووزعها على الخلايا والمجاميع المسلحة في منازل الأحمر وعلي محسن وتبة محمد علي محسن في منطقة حدة. وقد توقفت تلك المواقع عن استقبال مزيد من شباب الساحة الذين كانوا يُدرّبون في الفرقة ومقر الإصلاح بجوار جامعة الإيمان، باستثناء مجموعة ضمت: حسن الثلايا، عبدالرحمن الرباصي، يحيى الشرفي، وحجاب وهبان، جندهم خالد السريحي يوم الاثنين 30/5 وأُلحقوا بمجموعة المدفعية في منزل مذحج الأحمر، التي كانت تضم عبدالملك الصعدي، بشير المرهبي، رصاص، ونجيب الغربي. وهناك وُزعت عليهم الأسلحة، وشرح عبدالملك الصعدي من كتيب كان بحوزته كيفية استخدام مدافع عيار 82 و120 وتوجيهها نحو دار الرئاسة ومعسكر النهدين ومنصة السبعين.
في انتظار ساعة الصفر
على وقع المواجهات في الحصبة يوم الثلاثاء 31/5، تلقى الملازم الطعامي ومؤذن مسجد الرئاسة محمد الغادر في منزل لبيب مدهش تفاصيل دقيقة تتعلق بإدخال المتفجرات إلى دار الرئاسة وتسليمها للغادر ومحمد عمر لوضعها داخل مسجد دار الرئاسة وبجوار خزانات الغاز القريبة من سكن الرئيس.
وفي منزل مذحج الأحمر، شاركت المجموعة التي جندها السريحي يوم الاثنين مع مجموعات أخرى من منازل حميد الأحمر وعلي محسن الأحمر وتبة محمد علي محسن في حفر الخنادق وإقامة المتاريس وتجهيز قذائف المدفعية، مع تلقي مزيد من الإرشادات من عبدالملك الصعدي حول استخدامها.
وفي الأثناء، كان إبراهيم الحمادي في شركة الكريمي للصرافة يرسل مبلغ خمسين ألف ريال للمساعد في اللواء الثالث حرس جمهوري سعد الهدادي، مطالبًا إياه بقطع إجازته والعودة إلى المعسكر. وعندما اعتذر الهدادي بسبب رهن بندقيته، وعده الحمادي بتوفير سلاح آلي جديد.
مساءً، تناول محمد علوان العشاء مع غالب العيزري في مطعم ريماس، وتحدث معه عن الشهادة وسأله عن ديونه تمهيدًا لسدادها، وطلب منه قنص الرئيس من المنصة في حال فشل المخطط الأساسي، تاركًا له حرية اختيار التوقيت المناسب. كما أوصاه بعدم الصلاة يوم الجمعة مع الرئيس، وإن صلى فليكن خلف أحد الأعمدة أو في الصحن.
عاد العيزري إلى نوبة السبعين، وفي التاسعة مساء شعر بمغص شديد، فنقله زميله صدام الواحدي إلى مستشفى القدس حيث تلقى حقنة وأقراصًا خففت ألمه، لكنه طلب نقله من موقعه، فتم استبداله بزميل آخر ونُقل هو إلى الرئاسة.
الأربعاء
في يوم الأربعاء 1/6، كان عبدالله الطعامي هو ضابط الدورية، فاتصل بفضل ذيبان وأبلغه بأن الفرصة مواتية لإدخال المتفجرات، واتفقا على اللقاء في سوق عنس. قبل الظهر، غادر الملازم الطعامي بسيارة الدورية «هايلوكس» التي كان يقودها الجندي تيسير العوسجي من البوابة الشرقية، وجالا في السائلة باتجاه العرضي ثم توجها إلى المستشفى العسكري. وبعد الظهر، طلب الطعامي من السائق التوجه إلى سوق عنس بحجة لقاء صديق سيعطيه القات. في السوق، اتصل الطعامي بصديقه وطلب من السائق الانتظار، ثم ذهب لاستلام المتفجرات من فضل ذيبان.
كانت المتفجرات موضوعة داخل كيس دعاية لصابون «كريستال» ومغطاة بأكياس صابون أخرى. أخذها الطعامي مع القات وعاد إلى السيارة، موضحًا للسائق أن صديقه يعمل في شركة صابون كريستال وقد أهداه الكيس مع القات. عادت الدورية إلى القصر عبر البوابة الشرقية ودخلت كالمعتاد دون تفتيش، وكانت محمّلة بالمتفجرات. أوصل السائق الطعامي إلى باب غرفته داخل قطاع الكتيبة، ومنحه الطعامي كيس الصابون مكافأة.
فور وصوله إلى غرفته، اتصل الطعامي بمحمد الغادر ومحمد عمر وطلب حضورهما. وعند وصولهما، أخرج أربع عبوات ناسفة، تحتوي كل واحدة منها على ما بين ستة وتسعة قوالب (TNT) مغلفة بورق هدايا، إضافة إلى ظرف يحوي صواعق وآخر يضم أربعة هواتف. وشرح لهما طريقة توصيل أسلاك الهواتف بالصواعق كما تعلمها من فضل ذيبان، ثم كلف محمد عمر بالذهاب إلى الدكتور لبيب مدهش لإبلاغه بأن المتفجرات أُدخلت وهي محفوظة في دولاب الطعامي بانتظار التعليمات.
غادر محمد عمر، بينما جلس الغادر على غير عادته مع الطعامي في مجلس قات، ما أثار استغراب إبراهيم الزيدي الذي سأل عن سبب وجود الغادر، فأجابه الطعامي بأنه يبحث عن زميلهم محمد الشراعي. عاد محمد عمر مساءً حاملاً هاتف نوكيا (GSM) وورقة تتضمن أرقام الشرائح الخاصة بالهواتف المعدة لتفجير العبوات، وسلّم الهاتف والأرقام للطعامي، موضحًا أن التفجير سيتم عن بُعد أثناء صلاة الجمعة.
وفي نحو الساعة التاسعة مساءً، خرج الطعامي ومحمد عمر والمؤذن الغادر إلى محيط خزانات الغاز بين الأشجار لتفقد الموقع واختيار المكان الأنسب لوضع العبوات، حيث كان من المقرر أن يتولى محمد عمر زرعها بجوار خزانات الغاز القريبة من السكن الخاص بالرئيس وعائلته.