عدالة مفرغة من معناها: كيف تحوّل القضاء في مناطق الحوثيين إلى أداة للإعدام والقمع
لم يعد القضاء في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يمثل سلطة تُنصف المظلومين أو تحمي الحقوق، بل غدا جهازًا خاضعًا للتوجيه الأمني والسياسي، يُستخدم لإصدار أحكام إعدام بحق مدنيين ومعارضين، في إطار سياسة ممنهجة لترهيب المجتمع وتصفية الخصوم خارج إطار القانون.
وتواصل ما تُعرف بالمحكمة الجزائية المتخصصة عملها رغم فقدانها الشرعية القانونية، بعد صدور قرارات رسمية بنقل اختصاصها وإلغاء صلاحياتها. ومع ذلك، أبقت المليشيا على تشغيلها كواجهة قضائية لتبرير ممارساتها القمعية، متجاهلة القوانين الوطنية والمرجعيات القضائية المعترف بها.
محامون وحقوقيون يؤكدون أن هذه المحاكم لا تستند إلى الدستور أو القوانين النافذة، بل تنفذ تعليمات مباشرة من قيادات الجماعة، حيث تُعد ملفات القضايا مسبقًا وتُصاغ الأحكام قبل انعقاد الجلسات، لتتحول المحاكمات إلى إجراءات شكلية خالية من معايير العدالة وحق الدفاع.
وخلال العامين الماضيين، سُجلت قضايا إعدام أُنجزت خلال فترات زمنية قصيرة، دون تحقيقات مستقلة أو أدلة فنية، ودون الاستماع إلى شهود محايدين، بينما اعتمدت الأحكام على “اعترافات” انتُزعت بالقوة بعد فترات طويلة من الإخفاء القسري والتعذيب داخل سجون سرية.
وأصبحت تهمة “التخابر” أداة جاهزة لتجريم فئات واسعة من المجتمع، خصوصًا التربويين والأكاديميين والناشطين، في سياق سعي المليشيا لإخضاع المجال التعليمي والفكري، واعتباره جزءًا من معركتها الأيديولوجية.
وفي أحدث القضايا، ثُبتت أحكام إعدام بحق ثلاثة معلمين من محافظة المحويت، اختُطفوا منذ سنوات، رغم كونهم مدنيين لا علاقة لهم بأي نشاط مسلح. وتشير مصادر حقوقية إلى أن استهدافهم يعود لرفضهم الانخراط في مشروع التعبئة الفكرية الذي تفرضه الجماعة.
وتسبق هذه الأحكام سنوات من الاحتجاز في سجون سرية، حيث يتعرض المختطفون لظروف قاسية تشمل التعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من النوم والعلاج، والصعق الكهربائي، والإهانات المتواصلة. وتؤكد شهادات لمفرج عنهم أن الاعترافات التي بُنيت عليها الأحكام انتُزعت تحت التهديد بالقتل، أو عبر إجبار الضحايا على التوقيع على أوراق لم يُسمح لهم بقراءتها، أو الظهور في تسجيلات مصورة أُعدت مسبقًا.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن توقيت إصدار أحكام الإعدام غالبًا ما يتزامن مع محطات سياسية حساسة أو مسارات تفاوضية، لا سيما المتعلقة بملف المختطفين، ما يعكس استخدام حياة السجناء كورقة ضغط لابتزاز سياسي وفرض شروط الجماعة.
وفي هذا السياق، أكدت بيانات صادرة عن منظمات حقوقية دولية أن تزامن هذه الأحكام مع الجهود الإنسانية يهدف إلى تقويض أي فرص للإفراج عن المختطفين، وفرض أمر واقع عبر التلويح بتنفيذ الإعدامات.
وتتحمل عائلات الضحايا العبء الأكبر لهذه الانتهاكات، حيث تعيش في حالة انتظار وخوف دائمين. فزوجة أحد المعلمين المحكوم عليهم بالإعدام تؤكد أن أبناءها يسألون يوميًا عن والدهم، فيما تُحرم الأسرة من الزيارة أو التواصل معه. وفي حالة أخرى، يعاني أحد الأطفال من اضطرابات نفسية حادة منذ مشاهدته اختطاف والده، في معاناة إنسانية لا تنعكس في أوراق المحاكم، لكنها تمثل جوهر المأساة.
ورغم تصاعد التقارير الحقوقية، يحذر ناشطون من أن المواقف الدولية لا تزال دون مستوى الجرائم المرتكبة، مؤكدين أن بيانات الإدانة لم توقف تنفيذ أحكام الإعدام، بل شجعت على التمادي في ظل غياب المحاسبة.
ومنذ انقلابها، عملت مليشيا الحوثي على بناء منظومة قضائية موازية تخدم أهدافها الأمنية والسياسية، متجاوزة القوانين الوطنية والمواثيق الدولية، ومحولة القضاء من سلطة عدلية إلى أداة قمع وتصفية حسابات.