"الجنوب في حوار الرياض: بين مطالب الحكم الذاتي ووحدة الدولة"
وسط تحولات متسارعة على الصعيدين الوطني والإقليمي، تشهد المحافظات الجنوبية اليمنية، لا سيما حضرموت وأبين وشبوة وعدن و الضالع و لحج، مرحلة دقيقة من الحوار السياسي الذي يُعقد في العاصمة السعودية الرياض. الحوار الذي يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي، يضع هذه المحافظات في واجهة النقاش، سواء من حيث التمثيل السياسي أو صياغة خيارات مستقبلية تحدد شكل الدولة الاتحادية وموقع الجنوب ضمنها.
وعاد الجنوب اليمني إلى صدارة المشهد السياسي الإقليمي، امس الأحد، مع استضافة العاصمة السعودية الرياض لقاءً تشاورياً جنوبياً وُصف بأنه خطوة تمهيدية لمؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي المرتقب. اللقاء يعكس تحركات سعودية تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي الجنوبي وفتح الباب أمام حلول توافقية ومستدامة.
وحسب مصادر جنوبية مشاركة، ضم الاجتماع قيادات كانت جزءًا من المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، إلى جانب قيادات من التيار المؤيد لفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية. وأكدت المصادر أن اللقاء لم يكن إعلانًا سياسيًا نهائيًا، بل فرصة لتنسيق المواقف وإصدار بيان موحد تمهيدًا لمؤتمر أوسع ستشكل له لجنة تحضيرية في الأيام المقبلة.
وأضافت المصادر أن اللقاء يشكل المرحلة الأولى لمسار متعدد المراحل، مع توقع عقد لقاءات إضافية خلال الأيام المقبلة مع مكونات جنوبية مختلفة، بحيث تُعرض جميع التصورات السياسية في مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي، الذي سترعاه السعودية، ويُنتظر أن يحظى بتفاعل إقليمي ودولي، ليكون مخرجاته جزءًا محوريًا لأي حل شامل للأزمة اليمنية.
ويأتي التحرك في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، مع تباينات واضحة حول شكل الحل وطبيعته. ويؤكد مراقبون أن المسار الجديد يسعى إلى صياغة رؤية جنوبية جامعة، تقوم على الحوار كخيار واقعي لمعالجة جذور الأزمة، بعيدًا عن منطق التصعيد أو تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب ومكوناته.
وفي البيان الختامي للقاء، شدد المشاركون على وجود «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح ومحافظات الجنوب»، تسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام. ووصفوا مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي بأنه «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة ضبط مسار القضية الجنوبية، محذرين من أي محاولات لاستغلال الخلافات الداخلية أو جر الجنوب إلى صراعات جانبية تخدم أجندات خارجية.
ويرى محللون أن الدور السعودي في رعاية هذا الحوار يعكس توجهًا إقليميًا لدفع الأطراف اليمنية نحو حلول سياسية شاملة، مؤكدين أن الحوار الداخلي، بما في ذلك الحوار الجنوبي–الجنوبي، يمثل المدخل الأساسي لأي تسوية وطنية أوسع، قادرة على إنهاء الجمود وإرساء استقرار طويل الأمد في اليمن.
حضرموت: الرصيد السياسي وحُكم ذاتي محتمل
تتصدر حضرموت المشهد بوصفها رقماً محورياً في المعادلة الجنوبية، مع تحركات واضحة لتوحيد موقف شخصياتها وقياداتها الفاعلة، خاصة بعد فرض الهدوء النسبي في أكبر محافظات اليمن مساحةً، عقب خروج قوات ما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» وتعيين سالم الخنبشي عضواً في مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وتؤكد التحركات الحضرمية على أن المحافظة تسعى إلى توحيد رؤيتها والانخراط الفاعل في الحوار الجنوبي الشامل، بوصفه منصة لإعادة تعريف موقع حضرموت، تثبيت حقوقها، وفتح الطريق أمام خيار الحكم الذاتي ضمن إطار الدولة الاتحادية. ويشدد مراقبون على أن تعيين الخنبشي يعكس الاعتراف الرسمي بثقل حضرموت السياسي والجغرافي، ويمنحها تمثيلاً مباشراً في أعلى هرم السلطة.
وتتمحور رسالة قيادات حضرموت حول ضرورة صياغة موقف موحد يضمن تمثيل المحافظة بما يليق بمكانتها السياسية والاقتصادية والتاريخية، مع إبراز ما قدمته المحافظة خلال مراحل سابقة من رؤى ومطالب مشروعة، سعت من خلالها إلى تثبيت حقوق أبنائها وتعزيز حضورها في أي تسوية وطنية مستقبلية. ويشدد القادة الحضرميون على أن المرحلة الراهنة لا تحتمل التشرذم، وأن وحدة الصف شرط أساسي لتحويل المطالب إلى أوراق تفاوض فاعلة، بما يضمن الحقوق العادلة ويجنّب المحافظة أي انزلاقات محتملة.
أبين وشبوة: مطالب التنمية ووحدة الدولة
في المقابل، تأتي محافظتا أبين وشبوة في قلب الحوار الجنوبي، مع اهتمام بالغ بمستقبل الدولة الاتحادية وتوزيع الصلاحيات بين المحافظات. ويتركز النقاش على عدة محاور، أبرزها تحديد شكل الدولة، سواء اتحادية متوازنة بين المحافظات، تمنحها صلاحيات واسعة في إدارة الموارد والخدمات، أو اتحادية مركزية بصلاحيات محدودة تضمن وحدة الدولة.
ويحرص ممثلو المحافظتين على ضمان أن يكون لأي اتفاق مستقبلًا أثر حقيقي على التنمية المحلية، واستثمار الموارد الطبيعية، بما يحفظ حقوق السكان ويعزز العدالة بين المحافظات. ويؤكدون في الوقت ذاته التزامهم بوحدة الدولة اليمنية، وضرورة أن تكون أي ترتيبات متوافقة مع الدستور ومبادئ السيادة الوطنية، لتجنب أي انقسام أو اختلال سياسي.
لكن التحدي يكمن في التناقض الظاهر بين مطالب أبين وشبوة بالتحكم في مواردها المحلية وضمان حقوقها الاقتصادية، وبين ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة، وهو ما يضع ممثلي المحافظتين أمام مهمة صعبة: موازنة الحقوق المحلية مع الثوابت الوطنية، وتحويل التطلعات المحلية إلى أوراق تفاوض قابلة للتطبيق دون الإضرار بالسيادة أو استقرار البلاد.
المسار القانوني والسياسي للحوار
الحوار في الرياض يتم تحت مراقبة إقليمية ودولية، ما يزيد من حساسية الموقف، ويجعل من الضروري أن تكون الحلول نابعة من إرادة الشعب اليمني، بعيداً عن أي تدخل خارجي. ويشدد المشاركون على أن أي ترتيبات تُفرض بالقوة أو مدعومة من نفوذ خارجي، لن تكون ملزمة قانونياً، وأن المقاومة ضد أي اختلال أو فرض أمر واقع تُعد حقاً مشروعاً وصيانة للسيادة الوطنية.
كما يشير مراقبون إلى أهمية التمسك بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني السابق، وما تضمنه من رؤية لبناء دولة اتحادية متعددة الأقاليم، باعتبارها إطاراً سياسياً وقانونياً يكفل الحقوق السياسية والاقتصادية لكل محافظة، ويضمن حماية مصالح الجنوب دون المساس بوحدة الدولة.
التناقض في مطالبات الحوار الجنوبي
على الرغم من الإجماع على ضرورة الحوار، يظل التناقض في المطالب واضحاً بين المحافظات الجنوبية: حضرموت تركز على خيار الحكم الذاتي وحقها في إدارة شؤونها المحلية ضمن إطار اتحادي، بينما تسعى أبين وشبوة إلى التوازن بين التنمية المحلية والحفاظ على وحدة الدولة. هذه التباينات تعكس تنوع المصالح المحلية والاقتصادية والجغرافية، لكنها تمثل في الوقت ذاته تحدياً أمام أي اتفاق شامل إذا لم يتم التوصل إلى رؤية موحدة قابلة للتطبيق.
التحديات الأمنية والاجتماعية
بالإضافة إلى التحديات السياسية، تواجه المحافظات الجنوبية تحديات أمنية واجتماعية حادة. وتؤكد القيادات الحضرميّة أن النهب والتخريب سلوكيات دخيلة لا تمثل أخلاق أبناء حضرموت، داعيةً إلى الوقوف صفاً واحداً لحماية الأمن والاستقرار، وتجنب أي انزلاق قد يضر بحقوق المواطنين أو يعيد إنتاج الانقسامات السابقة.
خلاصة المشهد الجنوبي
خيارات الجنوب في الحوار المرتقب بالرياض تمثل اختباراً لقدرة المحافظات على توحيد مواقفها وصياغة حلول قابلة للتطبيق، تراعي المصالح المحلية وتوازنها مع الثوابت الوطنية. حضرموت، بوصفها رقماً محورياً، وأبين وشبوة، بموقعهما الاستراتيجي ومواردهما الاقتصادية، سيقودون عملية التفاوض بما يعكس وعيهم السياسي وحسهم بمخاطر التشرذم.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر الجهود لتوحيد الموقف، والابتعاد عن أي تصعيد قد يضعف فرص التوصل إلى حلول عادلة ومستدامة. ويظل الهدف الأسمى هو تحقيق تنمية حقيقية، وحفظ حقوق المحافظات، وضمان وحدة الدولة، ضمن إطار دولة اتحادية ديمقراطية تحترم سيادة شعبها وحقه في تقرير مصيره.