غسيل أموال الإغاثة .. حين تبتلع "السفريات" ميزانيات الجوع!
تُشرق شمس عدن والمحافظات المجاورة كل يوم على واقع يزداد تعقيداً، حيث يتقاسم المواطن والنازح تفاصيل العوز وشظف العيش. وفي المقابل، تتدفق ملايين الدولارات باسم هؤلاء الفقراء والمطحونين، لكنها بدلاً من أن تتحول إلى قمح ودواء، تبدو وكأنها تتبخر في دهاليز البيروقراطية "الإنسانية".
هذا المشهد يُعيد إلى الأذهان طرفة "جحا" الشهيرة حين سُئل كيف سيصوم رمضان هذا العام، فأجاب واثقاً: "والله لأنسفنه بالسفريات!". ويبدو أن هذا المنطق الساخر هو الدستور غير المكتوب الذي تسير عليه العديد من المنظمات الدولية والمحلية العاملة في بلادنا؛ حيث يُنسف الجوع وتُنسف المعاناة، ولكن عبر بند "المصاريف الإدارية" والرحلات المكوكية!
بئر المنظمات: الملايين تدخل والفتات يخرج
لو أتيح للفقير في مخيمات النزوح أو في الحارات المنسية أن يطّلع على كشوفات الميزانيات المخصصة له، لأصيب بذهول يفوق ذهول جحا نفسه. دولارات مرقومة بآلاف الأصفار تُنفق خلف أبواب مغلقة، بينما لا يصل إلى مستحقيها الحقيقيين سوى "الفتات" الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
تتحول المساعدات الإنسانية في كثير من الأحيان إلى عملية "إعادة تدوير للأموال" داخل شبكة معقدة من النفقات التي لا علاقة لها بالواقع على الأرض:
الرواتب الفلكية: يتقاضى الموظفون والخبراء (الأجانب والمحليون في الصفوف الأولى) رواتب وبدلات تضمن لهم العيش في أبراج عاجية، في مفارقة صارخة مع حقيقة أنهم يتقاضون هذه الأموال بذريعة إغاثة أناس لا يملكون ثمن وجبة واحدة.
المصاريف الإدارية اللانهائية: إيجارات مقار فارهة، وسيارات دفع رباعي حديثة، وورش عمل تُعقد في الفنادق الكبرى لمناقشة "كيفية تمكين الفقراء"، بينما تكلفة الورشة الواحدة كفيلة بإنقاذ قرية كاملة من العطش أو الأوبئة.
التوثيق أغلى من الإغاثة!
في عالم المنظمات الحديث، يبدو أن الشعار المرفوع هو: "إن لم تُصوَّر، فستُحرم!". تحول العمل الإنساني إلى استعراض بصري يتطلب ميزانيات ضخمة تُنفق على فرق التصوير والمخرجين وكتّاب التقارير البراقة.
تجد كاميرات احترافية بعدسات باهظة الثمن تلتقط تفاصيل بؤس طفل يتضور جوعاً، لتُطبع تلك الصورة لاحقاً في كتيبات فاخرة تُوزع في عواصم أوروبية جلباً لمزيد من الدعم. والمفارقة الساخرة هنا أن تكلفة إنتاج الفيلم الوثائقي أو الكتيب الترويجي قد تتجاوز ميزانية السلة الغذائية التي يتم تسليمها للمواطن أمام الكاميرا!
غياب الرقابة وتحايل الأرقام
تكمن العقدة في غياب الرقابة والمحاسبة الصارمة من الجهات الحكومية والوزارات المعنية، والتي تكتفي أحياناً بـ"التنسيق" الشكلي دون الغوص في بنود الصرف الفردية. يتم تغليف هذه النفقات بمصطلحات فضفاضة مثل "بناء القدرات"، و"الدعم اللوجستي"، و"التقييم والمتابعة"، وهي ثقوب سوداء تبتلع النسبة الأكبر من المنح الإنسانية.
بينما يستمر التدهور الاقتصادي، وتتحرك أسعار الصرف كأرجوحة لا تهدأ، يظل المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة. إنه ينتظر طحيناً حقيقياً يسد رمق أطفاله، ليجد في نهاية المطاف أن حصته من ملايين الدولارات قد طارت في "سفرية" إدارية، أو تبخرت في ومضة كاميرا التقطت بؤسه لتُباع بها قصص الأمل في سوق المانحين الدوليين.