الجريمة التي أفقدت اليمن كيانه كدولة.. تفجير جامع دار الرئاسة.. استباحة الحرمات
ستظل جريمة تفجير جامع دار الرئاسة بالعاصمة صنعاء، من قبل تحالف الإرهاب "الحوثيين والإخوان"، شاهدة على بداية مرحلة من الدمار والفوضى لم يشهدها اليمن على مدى تاريخه الممتد إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وما زالت مستمرة حتى اليوم.
إن ذكرى الجريمة التي وقعت في 3 يونيو 2011، ومر عليها 15 عاماً، واستهدفت قيادة الدولة، بينهم الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح الذي أصيب فيها، فيما استشهد أكثر من 13 من كبار قادة الدولة، على رأسهم رئيس مجلس الشورى حينها الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني، وأصيب أكثر من 200 آخرين، ستظل في ذاكرة الشعب اليمني باعتبارها بداية المؤامرة التي حولت حياتهم إلى جحيم ودمرت معيشتهم.
وبعد مرور 15 عاماً على وقوع الجريمة الإرهابية الأولى والأبرز في تاريخ اليمن وحياة اليمنيين، يمضي قادة تحالف مرتكبي الجريمة بهمة عالية لتقييدها ضد مجهول، كما لو أن الجريمة واقعة أو حادثة جنائية عادية، مستغلين بذلك عدم وجود نظام ودولة وتعطيل القوانين والتشريعات، في واحدة من أخطر المؤامرات التي هزت كيان الدولة اليمنية.
بداية انهيار مقومات الحياة
لقد تنبأ بذلك الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح، في إحدى مقابلاته الصحفية في أكتوبر 2013، بأن هدف ارتكاب جريمة دار الرئاسة هو الخلاص من أركان النظام والدولة للاستفراد بمقدرات البلاد ونهبها، والاستحواذ على السلطة وتعطيلها، وهو ما تعيشه البلاد اليوم من انهيارات في شتى مجالات الحياة في ظل غياب النظام، وتعطيل وتدمير مؤسسات الدولة، واستمرار نهب موارد البلاد وحرمان الشعب من حقوقه المشروعة التي تؤمن له حياة كريمة.
وأكد الزعيم الراحل في ذات المقابلة أنه يعرف مرتكبي الجريمة وأنهم ينتمون إلى الجماعات الإرهابية كالإخوان المسلمين والحوثيين، مشيراً حينها إلى أن الله منحه دقائق قليلة بعد الجريمة ليمنع حدوث سفك لدماء اليمنيين وتحقيق غاية الجماعات الإرهابية، وأنه طلب عدم الرد على الجريمة قبل أن يدخل في موت سريري لعدة أيام جراء إصابته.
لقد شكلت جريمة تفجير مسجد الرئاسة في 3 يونيو 2011 بداية الطريق لانهيار الدولة اليمنية، وأدت إلى ضعف هيبة الدولة، باعتبارها جريمة استهدفت اغتيال أركان الدولة، رئيساً وقادة مؤسسات، وعدم تحقيق العدالة فيها بحجم الجريمة. وستبقى علامة سوداء في تاريخ اليمن السياسي والعسكري والأمني والدستوري والديمقراطي، كما أن ما حدث من تخادم لإطلاق المتهمين فيها بين الإخوان والحوثيين يضع الشرعية في خانة السلطة التي تقدم على نفسها بهذا الفعل اعترافاً للشعب وللعالم بأنها سلطة الجريمة لا سلطة الشعب.
بين الناجين والغائبين
سجلت الجريمة توثيقاً رسمياً لأبرز الناجين والغائبين والشهداء فيها، لتضع علامات استفهام وأخرى للتعجب والاستغراب والشكوك حول ذلك.
فبينما كان يقف العليمي إلى جوار الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح في الصف الأمامي لجامع دار الرئاسة أثناء أداء صلاة الجمعة الأولى من شهر رجب الحرام في 3 يونيو 2011، كان نائب الرئيس حينها الراحل عبدربه منصور هادي غائباً، فيما تفاجأ المصلون بانفجار ضخم زُرعت عبواته في محراب وجوانب الجامع، قضى إثره معظم من كان يقف في الصف الأول، فيما نجا الزعيم صالح بأعجوبة.
وعلى وقع الحضور والغياب لكبار قادة المشهد اليمني لاحقاً وحالياً، تمضي السنوات على الجريمة التي ما زالت تبحث عن العدالة، بل وانتقلت إلى مرحلة تكوين ملف جنائي إرهابي لتقديمه إلى محكمة العدل الدولية.
وتستمر شظايا الجريمة التي استهدفت شخص الرئيس، الرجل الأول في الدولة، وكبار قادته الذين اصطفوا عن يمينه وشماله، يؤم بهم اليمن الذي انتخبه رئيساً بطرق ديمقراطية نزيهة شهد لها العالم، لكن الزمن حينها لم يمهله لاستكمال مشهد الدولة القوية، وهو آخر مشهد للدولة والنظام والقانون والسيادة والهيبة، قبل أن تشهد البلاد خسارة عدد كبير من رجالات الدولة، أو من يصفهم بأركان الدولة الرئيسية.
جريمة أصابت الكيان
لم تعد الدولة وأركانها الصلبة كما كانت قبل الجريمة، فمعظم قادتها وساستها ورجالها العسكريين والأمنيين وأعضاء البرلمان والشورى والشخصيات الاجتماعية والقبلية البارزة، أصيبوا أو استشهدوا، وأصبحوا يعانون آثاراً جسدية وأخرى نفسية، ما أتاح لمرتكبي الجريمة المتربصين بالوطن وقيادة النظام حينها مواصلة التخطيط والمؤامرة لاستكمال الطريق نحو تدمير البلاد ونهب ثرواتها والاستحواذ على السلطة.
لقد شهدت اليمن منذ تاريخ ارتكاب الجريمة وانتقال كبار قادة الدولة للعلاج في الخارج، أو إلى مشافي الداخل، تراجعاً في الأداء السياسي، ورغم ذلك ظل النظام متماسكاً والحياة مستمرة بشكلها المعتاد، واستمر صرف المرتبات وتقديم الخدمات، وليس كما هو الحال اليوم.
لقد عاش اليمن واليمنيون واحدة من أكثر اللحظات دموية وظلمة في تاريخهم، فالجريمة الإرهابية هزّت أركان النظام السياسي ومزّقت هيبة الدولة، وفضحت أكذوبة العباءة الدينية للجماعات الإرهابية المرتكبة للجريمة، التي لم تحترم قداسة الزمان ولا حرمة المكان ولا حرمة الدماء الطاهرة، وفي مقدمتها دماء ولي الأمر.
فالجريمة وُصفت بالإرهابية أممياً ودولياً، وقبل ذلك محلياً، فهي من أبشع الجرائم السياسية في تاريخ اليمن الحديث، اختلطت فيها السياسة بالدين، والخيانة بالعمالة، والمؤامرة بالإرهاب.
لقد صنف مجلس الأمن الدولي الجريمة بالإرهابية، الأمر الذي شكل منعطفاً خطيراً في المسار السياسي اليمني، حيث مثّل الحادث تحولاً مفصلياً من العمل السياسي السلمي إلى العنف الدموي، بما يعكس حجم التخطيط الممنهج لإدخال البلاد في دوامة الفوضى والخراب وانهيار مقومات الحياة لليمنيين.
الاحتفال.. سيد الأدلة
لقد شكل احتفال ساحات فوضى الإرهاب بالجريمة بعد دقائق من ارتكابها دليلاً قاطعاً على أن تلك الجماعات، وخاصة الإخوان والحوثيين، تقف وراءها، وهو ما أثبتته التحقيقات والأدلة والاعترافات.
حينها، ورغم فداحة الحدث والجريمة التي أصابت البلاد وتوقفت معها أنفاس العالم، كانت جماعات الفوضى تحتفل بخطاب عدائي وتحريضي من قبل قيادات جماعة الإخوان والحوثيين وعبر منابرها الإعلامية بالجريمة، حيث بادر بعض خطباء الساحات إلى الإعلان عما وصفوه بـ"البشرى السارة"، تبعتها هتافات احتفالية وتبادل للتهاني بين أنصار الإخوان والحوثيين وبقية مكونات الفوضى، في مشهد عبّر بوضوح عن مستوى الانحطاط الأخلاقي والسياسي وفقدان الوازع الديني الذي كانت تتشدق به تلك الجماعات.
خطاب المسؤولية والحكمة
وفي ظل تلك التناقضات التي عاشتها اليمن عقب جريمة التفجير، سُمع صوت الحكمة والمسؤولية والزعامة الحقيقية وهو يردد عبر شاشات التلفزيون: "إذا أنتم بخير فأنا بخير".
ففي مساء يوم الجريمة أطلّ الرئيس علي عبدالله صالح بكلمة مسجلة طمأنت الشعب اليمني، مؤكداً: "إذا أنتم بخير فأنا بخير". لقد شكّل هذا الخطاب لحظة فاصلة في تاريخ اليمن، حيث حال دون انزلاق البلاد إلى حرب أهلية مفتوحة، وأعاد ضبط بوصلة الدولة نحو الهدوء وضبط النفس، رغم حجم الاستفزازات والمأساة التي خلّفها الاعتداء.
ويقول أحد شيوخ وعلماء الدين اليمنيين إنه كان يحق لنظام الرئيس علي عبدالله صالح تطبيق شرع الله بحق مرتكبي الجريمة، تطبيقاً لقوله تعالى: {والفتنة أشد من القتل}، وكان يحق له قتالهم شرعاً، فقد أقدموا على قتاله في الشهر الحرام وفي المسجد، وهمّوا بإخراجه، والآيات في سورة البقرة تدلل على ذلك.
لكن الرئيس صالح، وكما هو نهجه وعهده وطريقة تعامله مع القضايا حتى وإن كانت تمس حياته، فضّل عدم سفك الدماء وصون دماء اليمنيين، فقد تعامل مع قضايا سابقة بهذا الأسلوب، كاستعادة جزيرة حنيش وتفجير كول والسفينة الفرنسية وغيرها.
ورغم تلك الجريمة ومطالبة الرئيس صالح بعدم الرد وعدم سفك الدماء، استمر تحالف الإرهاب "الحوثي ـ الإخواني" في سفك دماء اليمنيين، وعمل على ممارسة عمليات اغتيال لضباط وقادة الأجهزة الأمنية، ومن بعدها السياسيين كالمتوكل وشرف الدين وغيرهم، بهدف الوصول إلى السلطة لنهبها والاستحواذ عليها وتطويعها لخدمة مشاريعهم وأجنداتهم الخارجية.
مسلسل الفشل والفساد
مثلت جريمة تفجير جامع دار الرئاسة علامة فارقة انزلقت بعدها البلاد نحو مسلسل الفشل والفساد وارتفاع معاناة الشعب في جميع المجالات، وسعت من ورائه قوى الشر والإرهاب الحوثية ـ الإخوانية للسيطرة على السلطة عن طريق سفك الدماء الطاهرة لليمنيين، التي حرص الرئيس الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح على صونها، وتم استبدال الديمقراطية والشورى كوسيلة حضارية للتداول السلمي للسلطة بالقوة والبندقية والبارود كأداة يتم من خلالها نهب البلاد ونشر الفساد وإدخالها في مستنقع من الفوضى.
وتؤكد المعلومات وتصريحات المراقبين والمحللين المحليين أن الجريمة التي مر عليها 15 عاماً مثلت حالة دموية فكرية خطيرة تجاوزت أفكار الجماعات الإرهابية كتنظيم القاعدة وداعش، لأنها منبثقة من الكيان الأم لتلك التنظيمات "جماعة الإخوان"، يضاف إلى ذلك تحالفها المشؤوم مع جماعة الحوثي الإيرانية.
وأكدت الجريمة النهج الحقيقي لتلك الجماعات الإرهابية باستهداف أركان الدولة في عملية إرهابية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الشعوب سياسياً ودينياً، لأنها اختارت أحد بيوت الله لتنفيذها، متجاوزة كل القيم والأخلاق الدينية والإنسانية، وأدانتها الشرائع السماوية والوضعية، وجعلتها أمام كل القوانين المحلية والإقليمية والدولية من أهم القضايا التي لا تسقط بالتقادم، وتمنح أولياء الدم الذي سُفك فيها الحق في ملاحقة المجرمين حتى ينالوا جزاءهم الرادع طال الزمان أم قصر.
فالقضية، من وجهة نظر المختصين في القانون والجنايات والجرائم الإرهابية، تجاوزت كل القضايا الجنائية والجرائم المختلفة، فقد طالت رموز الدولة وانتهكت حرمات الله، حيث اختار المجرمون وقت الصلاة ويوم الجمعة وشهر رجب الحرام وبيت الله لتنفيذها، وواصلوا ركوب موجة سفك الدماء للوصول إلى غاياتهم المتمثلة في السلطة والثروة.
فقد وثقت الأحداث أن تلك الجماعات الإرهابية واصلت ارتكاب الجرائم ضد الشعب اليمني وقيادته، حيث عمدت مع بدء التحقيقات في جريمة جامع دار الرئاسة إلى حفر نفق أرضي باتجاه منزل الرئيس صالح في حي الكميم، وقامت بتنفيذ عمليات اغتيال متسلسلة بحق ضباط وكوادر جهازي الأمن القومي والسياسي.
وواصلت التنسيق حتى اجتياح صنعاء وخوض مواجهات دموية ضد القوى الوطنية في ديسمبر 2017، التي أدت إلى استشهاد الزعيم صالح ورفيقيه الأمين عارف الزوكا وكوكبة من الوطنيين، وصولاً إلى ارتكاب جرائم إرهابية بحق السفن التجارية الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
فالحقائق والأرقام والمعلومات والوقائع والدلائل تؤكد أن الجريمة لم تكن استهدافاً لقيادات الدولة فقط وشخص الرئيس، بل كانت استهدافاً لكيان دولة ونظام ومؤسسات ونظام جمهوري ومبادئ وأهداف الثورة اليمنية ووحدتها الوطنية. وما تعيشه البلاد اليوم من أزمات خدمية، وفقدان لبوصلة القيادة وكيان الدولة والنظام والقانون، والعبث بالسيادة والمقدرات القومية، والمماطلة في إيجاد الحلول، إلا دليل على أن المؤامرة والمخطط والتمويل كان كبيراً جداً.
سنحاول كشف بعض خيوط تلك المؤامرة في الجزء الثاني من هذه السردية الخاصة بذكرى الجريمة.
الجزء الثاني: معلومات وأرقام وشهادات حول الجريمة