صراع أطراف الفساد يحرم عدن من مقومات الحياة.. ولا وجود للجانب الحكومي
تعيش محافظة عدن، التي تتخذها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عاصمة مؤقتة لها، أوضاعاً لم تشهدها منذ اجتياح عصابة الحوثي الإيرانية لها عام 2015، فلا خدمات ولا شيء يوحي بوجود دولة أو سلطات رسمية.
عدن بلا خدمات عامة، ولا مرتبات، ولا مشاريع، فقط تنبعث منها روائح الفساد الذي بات يُمارس علناً من قبل الكيانات التي نشأت في المدينة عقب تحريرها من الحوثيين منتصف عام 2015، والتي بات معظمها منضوياً تحت الحكومة الشرعية، ومدعوماً من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، التي شكّلت لجنة لإعادة تطبيع الأوضاع في عدن عقب أحداث حضرموت والمهرة التي دارت في يناير من العام الجاري 2026، وأُعيد خلالها تشكيل مجلس القيادة الرئاسي وتشكيل حكومة تراضٍ.
صراع الرئاسي الخفي
حقيقةً، لم يعد الصراع الذي يشهده مجلس القيادة الرئاسي برئاسة العليمي، رغم إعادة تشكيله عقب أحداث حضرموت والمهرة التي تسبب بها المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عضو المجلس الرئاسي عيدروس الزبيدي، والتي أفضت إلى حل المجلس وإقالة قائده الزبيدي، الذي بات مطلوباً للعدالة بتهمة الخيانة العظمى، خافياً.
كان المجلس الرئاسي قد شهد قبل ذلك صراعاً حول تعدد مراكز القرار وخلافات على تقاسم المكاسب والمناصب والثروات في المناطق المحررة، وأُعيد تشكيل المجلس في يناير بعد إزاحة الزبيدي والبحسني واستبدالهما بالصبيحي والخنبشي.
ومع ذلك استمرت أزمة مراكز القرار موزعة بين العليمي والمحرمي، وتجسد ذلك جلياً من خلال القرارات العسكرية والأمنية المتخذة عقب إعادة تشكيل المجلس، فالمحرمي الذي يقود قوات العمالقة، أقوى فصيل مسلح في جنوب البلاد، تسلم قيادة قوات الانتقالي بعد حله، وبات يصدر قرارات إعادة نشر وتمركز تلك القوات الرافضة الخضوع لتعليمات قيادة الشرعية وتحالف دعمها بقيادة السعودية، التي أُسندت إليها مهمة توحيد تلك الفصائل وجميع القوات الأخرى تحت قيادة موحدة تشرف عليها قيادة التحالف.
ومن هنا ظل الصراع على اتخاذ القرارات فيما يتعلق بالتشكيلات المنتشرة في عدن وبقية المناطق المحررة، ما أبقى حالة التمترس وراء البندقية هي السائدة في عدن على وجه الخصوص، وفشلت جهود اللجنة السعودية بقيادة فلاح الشهراني في ضبط الجوانب الأمنية والعسكرية في عدن، التي كانت سبباً فيما تعيشه المدينة من تدهور في جميع الجوانب.
ووفقاً لمراقبين، فإن اعتماد رشاد العليمي على بقايا نظام هادي من عناصر الإصلاح، التي تؤكد المعلومات وجود توجهات أمريكية ودولية لتصنيفها منظمة إرهابية، رغم فساد تلك العناصر وعدم إيجاد مشروع منقذ لليمن، جعل التحالف والمجتمع الدولي يصرفان النظر عن دعمه، ويكتفيان بدعم استقلالية البنك المركزي بعدن وتحييده عن أي صراع فساد.
كما أن فشل العليمي في خلق توجه موحد في المناطق المحررة وتغليب مصلحته الشخصية والدائرة المقربة منه، ساهم كثيراً في خلق حالة الفشل وتدهور الأوضاع في المناطق المحررة، حيث فشلت جهود استعادة إيرادات الدولة نتيجة عدم جدية العليمي في إجبار مناطق نفوذ الإصلاح في مأرب وتعز على إرسال الإيرادات إلى البنك في عدن، الأمر الذي اتخذته بقية المناطق والمحافظات المحررة ذريعة لعدم إرسال الإيرادات إلى بنك عدن.
يدور حديث كبير في عدن حول جدية العليمي والتحالف في معالجة اختلالات التشكيلات العسكرية، خاصة التابعة للإخوان والانتقالي، وضعف الحكومة الحالية في إدارة المناطق المحررة وعدم تمكنها من تحقيق هدف واحد من تشكيلها، والاكتفاء بالاجتماعات التي لم يُنفذ أي مما تم إقراره فيها، والتي تحدث عنها الإعلام الرسمي.
كما يدور حديث حول وجود خلافات بين أعضاء مجلس القيادة وعدم قدرة المجلس على اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها الكهرباء التي تحتاج إلى موافقة عضو المجلس الخنبشي لتوفير النفط الخام لمحطة بترومسيلة بعدن، وتلبية مطالبه في اعتماد جزء من إيرادات حضرموت لصالح التنمية فيها.
إن تمترس عدد من أعضاء المجلس الرئاسي في مواقعهم، واستمرار العليمي في تقديم مصالحه على مصالح الوطن، وتعدد مراكز اتخاذ القرارات العسكرية والأمنية، تبقى حجر عثرة أمام حل مشاكل الخدمات في عدن والمناطق المحررة.
فشل ذريع للحكومة
وفي هذا الصدد، شكّل فشل حكومة الزنداني، التي تم تشكيلها وفقاً لنهج الترضية وليس الكفاءة كما رُوج لها، في ضبط الأوضاع والعمل على توفير الخدمات وضبط الأسعار وتوفير المرتبات وتوحيد الجهود نحو محاربة الفساد واستعادة إيرادات الدولة، دليلاً واضحاً على حجم الأزمة.
وبالواقع لم تحقق الحكومة أي مهمة أو تنجز هدفاً واحداً من أهدافها منذ تشكيلها، فيما أصيب الشارع بالصدمة من مستوى أدائها وأداء الوزراء فيها، الذين تم اختيارهم بنهج الترضية فقط، فمعظمهم ليست له أي خبرة سياسية أو إدارية أو مؤهلات علمية كافية، الأمر الذي جعل الحكومة تدور في فلك المكونات التي جاء منها أولئك الوزراء. فلم يعد لوجود الحكومة أو سلطاتها أي أثر يُذكر في عدن.
انهيار كامل للخدمات
تسببت صراعات الفساد داخل المجلس الرئاسي والحكومة، وتخاذل التحالف في إيجاد معالجات جدية للأوضاع في عدن، بانهيار ما تبقى من منظومة الخدمات، وفي مقدمتها الكهرباء التي ظلت وما زالت تشكل أكبر أزمات الخدمات وأكثرها تعقيداً في المدينة.
ورغم إعلان البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن توفير 150 مليون دولار لشراء وقود الكهرباء كدعم جديد لهذه الخدمة، التي تشكل ثقباً أسود من الفساد المختلط بين المالي والسياسي، إلا أن كهرباء عدن أعلنت أن ذلك الدعم لن يحدث فرقاً في تقليل ساعات الانطفاء التي تصل إلى 20 ساعة أو أكثر.
ارتبط فساد كهرباء عدن بوجود لوبي يديره لصالح أطراف سياسية، فرغم الكشف الرسمي عن وجود فساد ومفسدين ومخربين في إدارة محطات توليد الطاقة بعدن، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي إجراءات عقابية رادعة من قبل الحكومة والتحالف بحقهم.
ومؤخراً أعلن محافظ عدن عبدالرحمن شيخ أن ملف كهرباء عدن خارج عن سيطرته، كما فعل سابقاً المحافظ أحمد لملس، فيما تراجع وزير الكهرباء عدنان الكاف عن تصريحه المشترك مع محافظ عدن بشأن كشف لوبي التخريب لكهرباء عدن، لتستمر حكاية عدم وجود الوقود وعدم وجود قدرة توليدية للمحطات لمواجهة العجز، كعذر لتغطية حقيقة أزمة كهرباء عدن السياسية.
أزمات الغاز والوقود
وتعيش عدن، إلى جانب أزمة الكهرباء المميتة للمرضى وكبار السن والأطفال، أزمات متعلقة بعدم توفر الغاز المنزلي، التي بدأت تستفحل منذ نهاية عام 2025، رغم تأكيدات شركة الغاز رفع مخصصات عدن من 10 إلى 13 قاطرة غاز يومياً، وهو ما يفوق ما كانت تستهلكه المدينة قبل سنوات قليلة بثلاث مرات.
وتؤكد المعلومات أن عدن كانت تستهلك يومياً ثلاث قاطرات غاز، وحالياً 13 قاطرة، ومع ذلك ما زالت المادة معدومة من الأسواق وتباع في السوق السوداء، حيث تشير مصادر المعلومات إلى إسناد سلطات عدن لمتنفذين مهمة التحكم في توزيع الغاز بالمدينة بدلاً من إسنادها إلى فرع شركة الغاز، وذلك للحصول على عمولة وزيادة في سعر أسطوانة الغاز سعة 20 لتراً بواقع 1500 ريال لصالح السلطة المحلية.
وتشير المصادر إلى أن المتنفذين المختارين لتوزيع الغاز باتوا يوظفون المادة لخدمة مشاريعهم الخاصة، فضلاً عن تهريب عدد من القاطرات المخصصة لعدن إلى الحوثيين، وما الأحواش الموجودة في منطقة اللحوم بين عدن ولحج، التي يتم فيها إخفاء تلك القاطرات، إلا دليل على ذلك.
ومؤخراً ظهرت أزمة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها لتزيد من معاناة الأهالي، الذين باتوا يعيشون أزمات حياتية شبه يومية وفي مختلف المجالات، فالمياه مرتبطة بالكهرباء، والمواصلات والتنقلات مرتبطة بالغاز والمشتقات النفطية، وتشغيل المرافق الصحية مرتبط بالكهرباء والوقود، وقِس على ذلك بقية الخدمات.
فساد بطرق رسمية
في عدن بات الفساد معلناً ويتم بطرق رسمية، وفقاً للأهالي، الذين يشيرون إلى ما تمارسه وزارة الداخلية من ترك مهامها الأساسية في توفير الأمن للمواطنين، والانشغال بالمتاجرة بالجوازات والبطاقة الذكية وربطها بالمعاملات الأخرى، كما بدأت المتاجرة بلوحات المركبات وفرض رسوم مضاعفة على بقية خدمات المرور.
فيما تقوم السلطة المحلية بممارسة الفساد فيما يتعلق بوحدة حماية الأراضي وفرض إتاوات غير قانونية على حركة البناء، فضلاً عن فرض جبايات على التجار والباعة المتجولين دون سندات رسمية وتحت مسميات متعددة.
فعلاً باتت عدن قرية في ظل حكم العليمي وحكومة الترضية، بدلاً مما كانت عليه من تألق في عهد الدولة والنظام والقانون، فاليوم لا توجد في عدن سلطات دولة حقيقية، وكل ما يتواجد فيها جماعات تمتلك السلاح وعناصر مسلحة تسيطر على مساحات وتفرض فيها حكمها.