مواطنو الحديدة يؤكدون .. نحن نختنق بين لهيب المعاناة وانهيار الخدمات ولهيب الصيف وجبروت المليشيا الحوثية

مواطنو الحديدة يؤكدون ..  نحن نختنق  بين لهيب المعاناة وانهيار الخدمات ولهيب الصيف وجبروت المليشيا الحوثية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​تتجسد في مدينة الحديدة اليوم فصول مأساة إنسانية معقدة، حيث يواجه سكان "عروس البحر الأحمر" ظروفاً معيشية تفوق قدرة البشر على الاحتمال. ومع حلول فصل الصيف، تحولت المدينة إلى فرن لاهب تتجاوز حرارته الأربعين درجة مئوية، في ظل انقطاع تام للتيار الكهربائي وشح حاد في مياه الشرب. 
المعاناة لاتتوقف عند حدود الطقس القاسي؛ بل إن شوارع المدينة باتت تغرق في مستنقعات مياه الصرف الصحي (البيارات) المتفجرة التي تنشر الأوبئة والأمراض. ويأتي فوق هذا كله الأثر الأشد وطأة: جبروت سلطة المليشيا الحوثية التي تحكم قبضتها  على المدينة، مستنزفةً كاهل المواطنين بالجبايات والإتاوات المستمرة، ومكممةً الأفواه عن الشكوى أو الأنين.

​ننقل لكم من خلال هذه اللقاءات الميدانية شهادات حية لعدد من أبناء الحديدة، يروون من قلب المعاناة كيف يتدبرون سبل البقاء على قيد الحياة.

نحن نكافح للبقاء على قيد الحياة 
​ الحاج عبد الله (62 عاماً) – متقاعد ورب أسرة
​كيف تقضون يومكم يا حاج عبد الله في ظل هذه الحرارة المرتفعة مع انقطاع الكهرباء؟
- ​الحاج عبد الله: "نحن لا نعيش، نحن نكافح للبقاء على قيد الحياة فقط. الحرارة هنا في الحديدة تتجاوز الـ 35 درجة، والرطوبة تخنق الأنفاس. الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، ومن يمتلك 'الخط التجاري' لا يستطيع دفع الفواتير الجنونية التي تفرضها سلطة المليشيا الحوثية. نقضي الليل فوق أسطح المنازل بحثاً عن نسمة هواء، والأطفال يبكون طوال الليل من شدة الحر والبعوض".
  وماذا عن وضع المياه وتفشي مياه الصرف الصحي في الحي؟
- ​الحاج عبد الله: "البيارات تنفجر باستمرار وتحاصر منازلنا، والروائح الممتزجة بالحرارة تجعل الحياة لا تطاق. أما مياه الشرب، فنحن ننتظر طوابير 'السقيا' أو نشتري وايتات الماء بأسعار تفوق طاقتنا. المليشيا لا تهتم بنا، كل ما يهمهم هو جباية الأموال والضرائب والخمس، بينما المواطن يموت ببطء".

أم أحمد (45 عاماً) – ربة منزل وأم لأربعة أطفال
الوضع كارثي والمياه لا تصل إلى البيوت

​ أم أحمد .. كيف تتدبرين أمور منزلك في ظل شح المياه وانتشار الأوبئة؟
- ​أم أحمد: الوضع كارثي. المياه لا تصل إلى البيوت إلا نادراً، وبناتي يذهبن يومياً لجمع الماء في 'دبات' بلاستيكية من نقاط التوزيع الخيرية تحت أشعة الشمس الحارقة. وفي المقابل، مجاري الصرف الصحي تطفح في الشوارع، وأصيب اثنان من أطفالي بحمى الضنك والكوليرا. المستشفيات الحكومية هنا شبه معطلة وتفتقر للأدوية، وكل شيء مدفوع الثمن لصالح مشرفي مليشيا الحوثي.
 كيف تتعاملون مع هذه الضغوط المعيشية والأمنية؟
- ​أم أحمد: الخوف يملأ القلوب. لا نستطيع حتى الشكوى؛ فمن يتكلم أو يعترض على طفح المجاري أو غلاء الأسعار يُتهم بالخيانة والعمالة. نعيش في سجن كبير، وجبروتهم حرمنا حتى من حقنا في الشكوى.

ماجد (29 عاماً) – عامل بالأجر اليومي
نعمل ليلاً ونهاراً لنعطيهم ما نكسبه، ومن يرفض يُغلق محله أو يُسجن

​  ماجد .. كيف تؤثر الحرارة والأوضاع الحالية على عملك وقوت يومك؟
- ​ماجد: العمل في السوق تحت هذه الشمس الملتهبة قطعة من العذاب، لكن ليس لدي خيار آخر، وإلا ماتت أسرتي جوعاً. الحر يهدد أجسادنا، والبيارات الطافحة حول السوق تقطع أرزاقنا لأن الزبائن يفرون من الروائح والأمراض. فوق هذا كله، يأتي مشرفو المليشيا يومياً لفرض إتاوات وجبايات تحت مسميات مختلفة (مجهود حربي، مولد الرسول، وغيرها). نحن نعمل ليلاً ونهاراً لنعطيهم ما نكسبه، ومن يرفض يُغلق محله أو يُسجن.

المهندس محمد سعد (40 عاماً) – موظف سابق في قطاع الخدمات
​يعاملوننا كمواطنين من الدرجة الثانية

بصفتك متخصصاً، كيف ترى الانهيار الحالي في منظومة المياه والصرف الصحي بالحديدة؟
​المهندس: الانهيار ليس عفوياً، بل هو نتاج إهمال متعمد وفساد ممنهج. البنية التحتية للمدينة تهالكت تماماً. المليشيا قامت بتحويل ميزانيات صيانة شبكات المياه والصرف الصحي لدعم جبهاتها ومصالحها الخاصة. محطات الضخ متوقفة بسبب نهب الديزل وبيع الطاقة لشركات تجارية تتبع قياداتهم. المواطن يدفع الثمن من صحته وحياته وسط صيف لا يرحم.
 ​الصحفي: وكيف تصف الوضع العام تحت سلطتهم؟
- ​المهندس: الحديدة مدينة غنية بمواردها ومينائها، لكن أهلها يعيشون أفقر عيشة. هناك قبضه أمنية حديدية، وتكميم كامل للأفواه. يعاملون أبناء الحديدة كمواطنين من الدرجة الثانية، والمدينة تحولت إلى ركام من الأزمات: لا ماء، لا كهرباء، وتفشٍ للأوبئة".

صابر (34 عاماً) – صياد أسماك
نعيش بين نارين

​صابر .. كيف يواجه الصيادون في الحديدة هذا الصيف الساخن والأوضاع الأمنية المعقدة؟
- ​صابر: البحر كان مصدر رزقنا وأملنا، واليوم أصبح خطراً ومصدراً للموت. في الصيف، نحتاج للثلج والمبردات لحفظ الأسماك، لكن أسعار الثلج ارتفعت بشكل جنوني بسبب أزمة الديزل والكهرباء. بالإضافة إلى ذلك، تفرض المليشيا الحوثية قيوداً صارمة على حركة الصيادين، وتأخذ نسبة من كل صيد، ناهيك عن مخاطر الألغام البحرية وعسكرة السواحل. نحن نعيش بين نارين: نار الحر الشديد والشواطئ المغلقة، ونار الجوع والجبروت الذي يمارسونه علينا".
 خاتمة :
​في نهاية هذا الطواف الميداني بين أحياء الحديدة المثقلة بالجراح، يتضح جلياً أن المعاناة في هذه المدينة الساحلية تجاوزت حدود الكارثة الطبيعية أو البيئية لتصبح أزمة إنسانية ممتدة يصنعها الإهمال المتعمد ويغذيها الجبروت. 
يعيش أبناء تهامة اليوم بين فكي كماشة: قسوة مناخ صيفي لا يرحم، وجور سلطة المليشيا الحوثية التي لا تكتفي بقطع مقومات الحياة والخدمات الأساسية، بل تصادر حتى الحق في التعبير عن الوجع.
تظل الحديدة، برغم ثرواتها ومينائها الاستراتيجي، شاهدة على مأساة مدينٍة تُرك أهلها يصارعون الموت والمرض والظلم في آن واحد، بانتظار فرج ينهي هذه الحقبة المظلمة من تاريخها