ميناء الحديدة.. شريان اقتصادي اختطفته مليشيا الحوثي لتحويله إلى مصدر تمويل للحرب وتهديد الملاحة الدولية
يواصل ميناء الحديدة، أكبر الموانئ الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي على البحر الأحمر، لعب دور محوري في المشهد اليمني، غير أن أهميته الاقتصادية والإنسانية تحولت خلال السنوات الماضية إلى أداة بيد الجماعة لتعزيز نفوذها العسكري وتمويل أنشطتها القتالية، وسط اتهامات متزايدة باستغلال الميناء بعيداً عن أهدافه التجارية والخدمية.
ويُعد ميناء الحديدة أحد أهم المرافق البحرية في اليمن، نظراً لموقعه الاستراتيجي على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، حيث يمثل المنفذ التجاري الرئيسي للمناطق الشمالية التي يقطنها الجزء الأكبر من السكان. كما يشكل ثاني أهم ميناء في البلاد بعد ميناء عدن، ما جعله هدفاً رئيسياً للصراع الدائر منذ سنوات.
تأسس الميناء مطلع ستينيات القرن الماضي بدعم من الاتحاد السوفيتي السابق، وجرى تطويره ليضم ثمانية أرصفة تجارية رئيسية ورصيفين مخصصين لاستقبال ناقلات المشتقات النفطية، إلى جانب منشآت تخزين واسعة مكّنته من استيعاب جزء كبير من الواردات اليمنية.
ورغم أن الميناء أُنشئ لخدمة الاقتصاد الوطني وتلبية احتياجات المواطنين، إلا أن سيطرة مليشيا الحوثي عليه منذ انقلابها على الدولة منحها مورداً مالياً ضخماً عزز من قدرتها على مواصلة الحرب، وفقاً لتقارير حكومية ومراقبين اقتصاديين أكدوا أن الجماعة استحوذت على مليارات الدولارات من الإيرادات والرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على الواردات عبر الميناء.
ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر خلال الأشهر الأخيرة، عاد ميناء الحديدة إلى واجهة الأحداث الدولية، بعد أن أصبح جزءاً من المشهد الأمني المرتبط بالهجمات التي استهدفت السفن التجارية وخطوط الملاحة الدولية. ويرى خبراء أن الموقع الجغرافي للميناء يمنحه أهمية استثنائية نظراً لقربه من خطوط الشحن المؤدية إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتشير تقارير ومتابعات أمنية إلى أن الحوثيين استغلوا على مدى سنوات الموانئ والمرافئ الواقعة على سواحل الحديدة في أنشطة مرتبطة بدعم قدراتهم العسكرية، بما في ذلك استقبال شحنات تهريب الأسلحة وتخزين المعدات العسكرية واستخدام بعض المناطق الساحلية كمواقع لوجستية تخدم عملياتهم المسلحة، الأمر الذي جعل الميناء محط اهتمام إقليمي ودولي متزايد.
وأعادت الضربات العسكرية التي استهدفت مواقع ومنشآت مرتبطة بالمليشيا في محيط الميناء تسليط الضوء على حجم التشابك بين الأبعاد الاقتصادية والعسكرية لهذا المرفق الحيوي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار استخدامه كمنصة لتعزيز نفوذ الجماعة على حساب مصالح اليمنيين واحتياجاتهم المعيشية.
ويؤكد مراقبون أن تمسك الحوثيين بالحديدة لا يرتبط فقط بأهميتها التجارية، بل بكونها تمثل شرياناً مالياً واستراتيجياً يمد الجماعة بمصادر القوة والاستمرار، وهو ما يفسر حرصها على إحكام قبضتها على الميناء وتوظيف موارده بعيداً عن الرقابة الحكومية، في ظل اتهامات متكررة بتسخير عائداته لخدمة أجندة الحرب بدلاً من توجيهها لتحسين الأوضاع الإنسانية والخدمية المتدهورة في مناطق سيطرتها.