مغامرات الحوثي.. مَن يدفع الفاتورة؟

منذ 56 دقيقة
مشاركة الخبر:

لم يكن الإعلان الصادر عن ميلشيا الحوثي الارهابية بحظر الملاحة البحرية أمام السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر مفاجئاً، بقدر ما كان تأكيداً جديداً على إصرار المليشيا على المضي قدماً في نهجها القديم: تحويل اليمن إلى ساحة صراع إقليمية بالغة الكلفة. المشكلة في قراءة السلوك الحوثي لا تكمن في الشعارات المرفوعة، بل في "فاتورة الحساب" ومَن يتكفل بسدادها؛ فالمليشيا تدرك تماماً أن حركة السفن المستهدفة باتت محدودة للغاية منذ فترة طويلة، وأن معظم شركات الشحن الدولية بدلت مساراتها بالفعل، ما يجعل الإعلان أقرب إلى "استعراض سياسي" مستغلٍّ غياب المواجهة المباشرة مع القوى الكبرى كالولايات المتحدة، وهو المناخ المفضّل لعصابة الحوثي للمناورة ورفع سقف التهديدات.

السؤال الجوهري الذي تتهرب المليشيا من الإجابة عنه هو: 

ماذا يربح اليمن من هذه المواجهة؟ 

الحقيقة المرة التي يعيشها الداخل تكشف بوناً شاسعاً بين طموحات المليشيا الإقليمية وواقع المواطن المنهك الذي يعاني منذ سنوات من الفقر، والانهيار الاقتصادي، والعزلة الدولية، ليجد نفسه اليوم أمام جبهة استنزاف جديدة لم يختارها.و منطق الحد الأدنى من المنطق السياسي – لو وُجدت في أدبيات مليشيا الحوثي الارهابية ذرة واحدة من المسؤولية الوطنية – يفرض أن تحظى أولويات الداخل الملحّة؛ من إعمار، وتنمية، وصرف للرواتب، وتثبيت للاستقرار، بالصدارة المطلقة قبل الالتفات لأي أجندات عسكرية خارجية.

لكن السلوك الحوثي يمضي، باقتدار، في الاتجاه المعاكس تماماً؛ حيث تُختزل الاحتياجات المعيشية والوجودية لملايين اليمنيين في مرتبة ثانوية مهملة، مقابل منح الأولوية القصوى والمطلقة لخدمة الأجندة الإيرانية في المنطقة، عقائدياً وسياسياً وعسكريا.

هذا الإصرار المستمر على رهن مقدرات البلاد لمشاريع عابرة للحدود، يسقط عن المليشيا أي ادعاء بالوطنية، ويقدم برهاناً ساطعاً لا يقبل التأويل على أننا أمام مشروع احتلال ايراني شامل، و حالة عمالة وتبعية سياسية وعسكرية بامتياز، تدار بالوكالة على حساب دماء اليمنيين ومستقبلهم.
هذا التصعيد في أحد أهم الممرات المائية العالمية لن يمر دون ارتدادات كارثية على الاقتصاد اليمني المتهالك؛ فحركة التجارة، وفرص الاستثمار الشحيحة، وخطوط الإمداد الأساسية، وكلفة الشحن والتأمين، كلها ستتأثر سلباً بزيادة منسوب التوتر الأمني. وهنا تتضح المعضلة الأساسية، فالمليشيا لا تزال تنظر إلى اليمن بوصفه جزءاً من معادلة إقليمية وجبهة ممتدة، فيما ينظر اليمنيون إلى بلدهم باعتباره وطناً يحتاج إلى الإنقاذ، وبين النظرتين تتسع الفجوة يوماً بعد آخر.
السياسة في نهاية المطاف تُقاس بالنتائج لا بالشعارات، والمشروع السياسي الناجح هو الذي يحقق الأمن والرخاء لمواطنيه، لا الذي يربط مصيرهم بحروب لا يملكون قرارها. 

لقد تعب اليمن من تحويل أراضيه ومياهه ومجاله الاستراتيجي إلى أوراق تفاوض في ملفات إقليمية أكبر منه، وما يحتاجه اليوم ليس المزيد من الصواريخ في البحر الأحمر، بل مشروع دولة يعيد الاعتبار للمواطن. نهاية المطاف، لا يمكن للمشاريع أن تكتسب شرعيتها من قدرتها على إشعال الحروب، بل من قدرتها على صناعة الاستقرار؛ وهي الحقيقة التي يهرب منها الحوثي.

 ليبقى السؤال قائماً: هل الأولوية هي إنقاذ اليمن، أم إبقاؤه ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟