الفشل المحمي
حين تساءلت في مقالي السابق: «هل تملك حكومة "الزنداني" شجاعة الاستقالة؟»، لم أكن غافلاً بطبيعة الحال عن البيئة التي نبتت فيها هذه الحكومة، ولا عن مناخها السياسي؛ غير أن الردود والتعليقات التي تلت النشر لم تكتفِ بالاعتراض، بل ذهب بعضها متهكمًا إلى حدّ اعتبار خطوة كهذه ضربًا من «سابع المستحيلات».
وعندما نعيد تأمل المشهد بعين فاحصة وهادئة، نجد أن هؤلاء الساخرين محقّون تمامًا في قراءتهم؛ فكيف لحكومة وُلدت في الخارج، ويقيم معظم أعضائها هناك، وليس لها أي قبول أو حاضنة شعبية، وزد على ذلك أنها عمدت إلى شلّ فاعلية سلطاتها المحلية وكبّلت قرارها وسلبت تأثيرها، أن تشعر بلفحة حرارة هذا الصيف الحارق في الداخل؟ إنه لمن الطبيعي ألا تهتز كراسيها تحت وطأة معاناة الناس وتردي أوضاعهم المعيشية والخدمية اليومية، طالما أن المسافة الفاصلة بينها والواقع لا تُقاس بالتواجد الميداني أو المسؤولية القانونية، بل بآلاف الأميال من العزلة.
لقد تجاوز انقطاع التيار الكهربائي حاجز الـ18 ساعة يوميًا، ونحن هنا لا نتحدث عن الأطراف أو المناطق النائية والمهمشة، بل عن حواضر المدن الكبرى وفي مقدمتها «المكلا»؛ هذا الفشل الخدمي والتقصير كفيلٌ، في أي عُرف أو نظام ديمقراطي محترم، بإسقاط الحكومة بكاملها وإحالتها للمساءلة، لو كان ثمة حد أدنى من المسؤولية أو عرق حياء ينبض بآلام الناس.
أمام هذا الواقع القاتم، كان من الطبيعي أن ينتفض الشارع؛ حيث عمت الاحتجاجات معظم المدن في ما يُسمى «المناطق المحررة»، وهي احتجاجات ليست تحت بند «المكايدات» الحزبية أو تصفية الحسابات السياسية، كما يحلو لبعض الأبواق الإعلامية تصويرها تبريرًا للفشل؛ بل هي ببساطة صرخة أجساد أنهكها غياب أدنى مقومات الحياة الآدمية، وحرمانها من أبسط حقوقها. فالمعاناة هنا ليست لغزًا عصيًا على الفهم، بل هي واقع يراه الأعمى ويسمعه الأصم، إلا أولئك القابعين في رغد العيش في المعاشيق أو خلف الحدود.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، وتتجلى حقيقة «الفشل المحمي»؛ فبينما يكتفي المعنيون بإطلاق وعودٍ إسعافية لامتصاص الغضب، يُجابه الشارعُ المطالب بالحقوق والخدمات بالقمع الأمني، لتؤكد السلطة بعقليتها هذه أن شرعيتها باتت منفصلةً تمامًا عن واقع الناس ومعيشتهم، وأن سقوطها لم يعد سوى مسألة وقت.
وبيننا الأيام.