لماذا لم يتم التخلص من مليشيا الحوثي حتى اليوم؟ .. "حرب الفنادق".. حيث تنتهي المعارك قبل أن تبدأ، وتُحسم الأزمات في صالات "الاستقبال
بينما يستيقظ المواطن اليمني في "المناطق المحررة" على صوت انقطاع التيار الكهربائي—الذي أصبح الصوت الرسمي لبداية اليوم—يستيقظ المسؤول اليمني المقيم في عواصم العالم على صوت "منبّه الهاتف" الفاخر، بعد ليلة هادئة ومكيّفة، في غرفة يطلّ شباكها على شوارع لا تعرف معنى "الهدد" ولا تقلبات "سعر الصرف".
"نضال الفنادق".. مقاومة من طراز خمس نجوم
لقد أثبتت حكومتنا الموقرة أن المسافة بين "القصر الجمهوري" و"فندق الخمس نجوم" ليست سوى تفصيل جغرافي لا يعيق اتخاذ القرارات الحاسمة. فمن داخل غرف الاجتماعات المزودة بخدمة إنترنت عالية السرعة، وبوفيه إفطار متنوع ينسّيك أزمات الدقيق والوقود، تُدار المعارك، وتُكتب بيانات الإدانة، وتُصاغ خطط "استعادة الدولة".
إنها عبقرية إدارية بكل المقاييس؛ فالمسؤول الذي يرى المواطن "يتقلب" تحت حرّ الصيف دون كهرباء، يقرر من غرفته المكيفة في الرياض أو القاهرة أن "الوضع تحت السيطرة" وأن "الخدمات في تحسن ملحوظ". كيف توصّل إلى ذلك؟ ربما من خلال "تكييف الغرفة" الذي يمنحه رؤية بانورامية شاملة لواقع البلاد.
"الحس المرهف" بأزمات الشعب
أعظم ميزة في "القيادة العابرة للحدود" هي قدرتها الفائقة على عدم التأثر بالواقع، المسؤول هنا لا يضطر للوقوف في طوابير البنزين—فهو يتنقل بسيارات مصفحة لا تعرف الطريق إلى محطات الوقود المحلية، ولا يضطر للانتظار في المطار—فبوابات كبار الزوار تُفتح له تلقائياً.
هذا "العزل الشعوري" جعل المسؤول يمتلك أعصاباً من حديد. فعندما ينهار الريال، لا يشعر المسؤول بالخوف على قوته اليومي؛ فهو يتقاضى راتبه بـ"العملة الصعبة" التي تبتسم له، بينما يبتسم المواطن لـ"العملة المحلية" التي قررت الانتحار الجماعي.
التكنولوجيا: سلاح الفتاوى الإلكترونية
لقد حوّلت القيادة "تويتر" (X) إلى ميدان قتال؛ فبدلاً من إرسال "كتيبة" لاستعادة منطقة، يتم إرسال "تغريدة" نارية، وبدلاً من توفير "مولد كهرباء" لمستشفى، يتم إصدار "توجيه وزاري" عاجل (عبر واتساب) بسرعة الضوء. إنها حرب إلكترونية بامتياز، والضحية الوحيدة هنا هي "المنطق".
"الفجوة": ليست مجرد كيلومترات
المشكلة ليست في المسافة الجغرافية؛ فلو كان هؤلاء يديرون الدولة من القطب الشمالي لكانت النتيجة نفسها. المشكلة هي أن "القيادة" أصبحت وظيفة إدارية "أوفشور" بعيدة عن الضجيج، عن العرق، وعن رائحة غبار المعارك.
في السابق كان القائد يُعرف بـ"بصمة حذائه في الميدان"، أما اليوم فيُعرف بـ"ماركة ساعته في الاجتماع الافتراضي".
مسك الختام
بينما ينتظر اليمني في الداخل "فرجاً" يأتي من وراء الحدود، يتلقى "تغريدة تفاؤل" من خلف زجاج الفندق المصقول.
نحن أمام نموذج جديد في العلوم السياسية: "حرب الفنادق"؛ حيث تنتهي المعارك قبل أن تبدأ، وتُحسم الأزمات في صالات "الاستقبال"، ولا يبقى صامداً إلا شيء واحد—إصرار بعض المسؤولين على أن "الأمور طيبة"، طالما أن فاتورة الفندق مدفوعة بانتظام! ولهذا لم يتم التخلص من مليشيا الحوثي حتى اليوم.