أنقذوا اليمن قبل أن يسقط السد مرة أخرى
التاريخ ليس كتابًا قديمًا نضعه على الرفوف ثم ننساه.
التاريخ مرآة، ومن يرفض النظر فيها يُجبر على العيش داخلها.
كل أمة ظنت أن سقوطها مستحيل، سقطت. وكل شعب اعتقد أن الخراب سيزور جاره أولًا، فوجئ بأنه كان يقف أمام بابه.
كانت سبأ هنا، في هذه الأرض نفسها. كانت سيدة التجارة، وملكة الحضارة، وصاحبة السد الذي تحدّى الصحراء.
لم يهزمها جيش عظيم، ولم تمحها قوة أجنبية من الخريطة، بل بدأت النهاية عندما تصدعت الجدران من الداخل قبل أن ينهار السد من الخارج.
والسدود لا تنهار بالماء فقط، بل تنهار حين يغيب العقل الذي يحرسها.
ثم مرت القرون، وسقطت بغداد، عاصمة الدنيا، ومدينة العلماء والمكتبات والقصور. لكن هولاكو لم يجد أبوابها مغلقة، بل وجدها مفتوحة بالخلافات والصراعات والخيانات، فدخل منها.
التاريخ يقول إن الجيوش تقتحم المدن، أما الحقيقة فتقول إن المدن تسقط أولًا في نفوس أهلها.
ثم جاء دور الأندلس. هناك لم يكن النقص في السلاح، ولا في المال، ولا في الرجال، بل كان النقص في شيء واحد فقط: أن الجميع أراد أن يكون قائدًا، ولم يرد أحد أن يكون وطنًا.
فتنازعوا على الكراسي حتى ضاعت الأرض التي كانت تحمل تلك الكراسي.
واليمن؟
اليمن اليوم يقف في منتصف هذه القصص كلها, يشبه سبأ حين انشغل الناس بالخلاف أكثر من السد، ويشبه بغداد حين أصبح الخصوم أكثر عددًا من الحلفاء، ويشبه الأندلس حين صار الانتصار على الشريك أهم من الانتصار للوطن.
كل طرف يروي قصة الخيانة، لكن الوطن هو الضحية الوحيدة التي لا تجد من يروي قصتها.
كل طرف يتهم الآخر بأنه هدم البلاد، والبلاد تنظر إلى الجميع بصمت، كأم ترى أبناءها يتشاجرون فوق أنقاض بيتها.
والحقيقة المؤلمة أن الأوطان لا تسأل من كان على حق عندما تسقط، بل تسقط فوق الجميع بالتساوي.
لهذا لا يخيفني أن يختلف اليمنيون، فالاختلاف سنة الحياة. ما يخيفني أن يتحول الاختلاف إلى هوية، وأن تصبح الجماعات أكبر من الوطن، والأعلام أكبر من العلم الوطني، والقادة أكبر من الدولة.
عندها لا يعود التاريخ درسًا نتعلم منه، بل يصبح حكمًا يُنفَّذ فينا.
وحينها لن يسأل أحفادنا: من انتصر؟
بل سيسألون سؤالًا أكثر قسوة:
كيف ضيّعتم وطنًا كان اسمه اليمن؟