الحرب التي فضحت الجميع .

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

حرب اليمن والنقطة التي كشفت ما قبلها، نعم لم تكن الحرب في اليمن مجرد معركة بنادق وصواريخ، بل كانت امتحانًا طويلًا للأفكار والشعارات والمشاريع التي ظلت لسنوات تبيع الأحلام للناس.

في أوقات السلم تستطيع الجماعات أن تختبئ خلف الخطب واللافتات والوعود الكبيرة، لكن الحرب لا تجامل أحدًا. الحرب تضع الجميع أمام المرآة.

فما كان مخفيًا ظهر، وما كان يُقال في الغرف المغلقة أصبح يُمارس على الأرض.

هناك من ظل سنوات يتحدث باسم الدولة، فلما امتلك جزءًا من السلطة أثبت أن مشكلته لم تكن مع الفساد بل مع موقعه خارجه.

وهناك من رفع راية الخلاص والعدالة ومحاربة الظلم، فلما استقرت يده على الحكم اكتشف الناس أن الشعارات كانت أكبر من المشروع نفسه، وأن الهتافات لم تكن قادرة على بناء وطن أو إطعام جائع أو إدارة دولة.

وهناك من أقنع أتباعه أنه يحمل مشروعًا مختلفًا عن الجميع، ثم ما لبث أن سار في الطريق ذاته الذي كان يلعنه بالأمس، فاختلفت الأسماء وبقيت الممارسات كما هي.

الحرب كانت فخًا، لكن أحدًا لم ينصبه للآخرين.

كل طرف وقع في الفخ الذي صنعه بيده. من بالغ في الشعارات سقط تحت وزن شعاراته.ومن وعد بالجنة السياسية وجد نفسه عاجزًا عن إدارة شارع. ومن بنى مشروعه على الكراهية اكتشف أن الكراهية لا تبني وطنًا. ومن أقنع الناس أنه البديل، وجد نفسه مع الوقت نسخة أخرى مما كان يهاجمه.

ولهذا فإن أكبر الخاسرين لم يكونوا أولئك الذين فقدوا المواقع، بل أولئك الذين فقدوا الصورة التي رسموها لأنفسهم أمام الناس.

فالحرب لم تكشف قوة المشاريع بقدر ما كشفت حقيقتها.

واليوم، وبعد سنوات من الدم والخراب، لن نسأل اليوم : من كان يرفع الشعار الأجمل؟

بل أصبح السؤال: ماذا فعل حين امتلك الفرصة؟

وهنا كانت الفضيحة الكبرى.

فقد سقطت الأقنعة واحدًا تلو الآخر، وبقي اليمنيون يشاهدون المشهد كله، ويكتشفون أن كثيرًا من المشاريع التي قيل إنها جاءت لإنقاذ الوطن كانت في الحقيقة تبحث عن نصيبها منه. ربما تكون هذه الحرب كارثة على اليمن، لكنها في الوقت نفسه كانت أكبر عملية كشف سياسي عرفها اليمن الحديث.

كشفت للجميع أن الوطن لا ينهض بالشعارات، ولا ينهض بالمظلومية، ولاينهض بالثورية الدائمة، ولاينهض بالخطابات الحماسية.

وأن الدولة، مهما حاربها خصومها، ظلت الحقيقة الأصعب التي عجز الجميع عن تجاوزها.

أما اليمنيون، فقد يكون هذا الدرس هو المكسب الوحيد وسط كل هذا الخراب وأن التجارب لا تكذب، وأن السنوات الطويلة كانت كافية لتكشف ما كانت تخفيه الشعارات.