الصحافة اليمنية في مرمى النيران

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

 

لمناقشة هذا العنوان وتوضيح مصادر الخطر وآليات الحماية، لا بد من قراءة أولية جيوسياسية لانهيار البيئة الآمنة للصحافة اليمنية. إذ لم تعد الأزمة التي تعيشها الصحافة اليمنية مجرد أزمة مهنية أو حقوقية، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لتحول الدولة إلى ساحات نفوذ متصارعة، تتعدد فيها مراكز القوة ويتراجع فيها القانون.

وفي هذا السياق، لم يعد الصحفي مستهدفًا بسبب ما يكتب فحسب، بل بسبب ما يمثله من قدرة على إنتاج الرواية المستقلة في مواجهة روايات القوى المسلحة والسياسية. وخلال أكثر من عقدين من الزمن، أو على الأقل منذ اندلاع احتجاجات 11 فبراير 2011م، والذي يحلو للبعض تسميته بـ"الربيع العبري"، انتقلت الصحافة اليمنية من مواجهة الضغوط التقليدية إلى مواجهة الاغتيالات والاختطافات والإخفاء القسري والتعذيب والمحاكمات السياسية والنفي والتشريد القسري داخليًا وخارجيًا، حتى غدت اليمن إحدى أخطر البيئات للعمل الصحفي في المنطقة العربية.

المحور الأول: الصحافة اليمنية في مرمى النيران
أولًا: العقدان الأسوأ في تاريخ الصحافة اليمنية.. من هو العدو الأول للصحافة؟
إذا كان التاريخ الحديث للصحافة اليمنية قد عرف مراحل من التضييق، فإن الفترة الممتدة منذ عام 2011 وحتى عام 2026 تمثل بلا شك الأسوأ في تاريخها، نتيجة الانقسام السياسي، وظهور مليشيا الحوثي، وانهيار مؤسسات الدولة، وتحول البلاد إلى جغرافيا تتقاسمها سلطات متعددة متناحرة، لكل منها أدواتها الأمنية وإعلامها الخاص وأساليبها الظاهرة والخفية في محاربة الصحافة الحرة.
ولا يمكن اختزال مصدر الخطر في طرف واحد، رغم أن المؤشرات جميعها تشير إلى مليشيا الحوثي، إذ تختلف أنماط الانتهاكات باختلاف مناطق السيطرة والنفوذ. غير أن المليشيا تُتهم على نطاق واسع، وبالأدلة والتقارير الصادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية، بأنها تتحمل النصيب الأكبر من الانتهاكات الممنهجة بحق الصحفيين في مناطق سيطرتها، من اعتقالات تعسفية، وإخفاء قسري، وتعذيب، وأحكام إعدام، وإغلاق للمؤسسات الإعلامية، ومصادرة للممتلكات، وفرض رقابة صارمة على تدفق المعلومات.
وفي المقابل، شهدت مناطق أخرى أيضًا حوادث اغتيال واعتداءات وتهديدات وقيود على العمل الإعلامي، ما يعكس أزمة بنيوية تتمثل في غياب سلطة قضائية قادرة على حماية حرية التعبير ومحاسبة الجناة.
إن العدو الحقيقي للصحافة اليمنية ليس فقط الجهة المنفذة للانتهاك، بل أيضًا ثقافة الإفلات من العقاب، التي جعلت استهداف الصحفيين سلوكًا منخفض الكلفة وعالي المكاسب.

ثانيًا: تعدد الانتهاكات.. ماذا بقي في جسد الصحافة اليمنية؟
تعرضت الصحافة اليمنية إلى استنزاف متعدد الأبعاد شمل:
- القتل والاغتيالات  
- الاختطافات والإخفاء القسري  
- التعذيب داخل السجون  
- المحاكمات ذات الطابع السياسي  
- التهجير القسري  
- الانهيار الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية وضياع الحقوق  
- الاستقطاب السياسي والحزبي للإعلام  
ولم يعد كثير من الصحفيين يعملون في مؤسسات مستقلة، بل اضطروا للعمل ضمن وسائل إعلام مرتبطة بمراكز النفوذ، أو غادروا المهنة نهائيًا بحثًا عن مصدر رزق. ونتج عن ذلك تآكل الإعلام المهني لصالح إعلام التعبئة السياسية، حيث أصبحت الرواية المستقلة هي الخاسر الأكبر.

ثالثًا: الجريمة المستمرة بحق الصحافة منذ 2004.. انتهاكات مليشيا الحوثي
منذ اندلاع الحروب في صعدة عام 2004، تصاعدت المواجهة بين المليشيا والإعلام المستقل بصورة تدريجية، ثم اتسعت بشكل غير مسبوق بعد سيطرة المليشيا على صنعاء عام 2014.
وتتمثل أبرز الانتهاكات في:
- إغلاق الصحف والقنوات والإذاعات  
- اعتقال الصحفيين لفترات طويلة  
- الإخفاء القسري  
- التعذيب وسوء المعاملة  
- إصدار أحكام بالإعدام بحق عدد من الصحفيين قبل الإفراج عن بعضهم ضمن صفقات تبادل  
- مصادرة الممتلكات  
- منع تداول الصحف  
- تجريم العمل الصحفي المستقل  
- فرض خطاب إعلامي أحادي  
وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن هذه الانتهاكات اتسمت بالطابع المنهجي، ما جعل حرية الصحافة واحدة من أكثر الحريات تضررًا في مناطق سيطرة المليشيا.

رابعًا: اغتيال الصحفيين.. كيف يصل القتلة إليهم؟
تمثل قضايا مقتل الصحفية رشا الحرازي وزوجها الصحفي محمود العتمي في عدن، وكذلك مقتل الصحفي محمد عيضة في المكلا بمحافظة حضرموت، وغيرها من النماذج المأساوية، دليلًا واضحًا على أن الخطر لم يعد مرتبطًا بمقر العمل أو ساحات القتال فقط، بل أصبح يلاحق الصحفي في حياته اليومية، حتى في مدن يُفترض أنها آمنة أو محررة.
وتعكس هذه الحوادث دلالات خطيرة، أبرزها:
- هشاشة المنظومة الأمنية  
- سهولة تعقب الصحفيين  
- ضعف الحماية القانونية  
- بطء إجراءات التحقيق  
- استمرار الإفلات من العقاب  
وعندما يدرك القاتل أن فرص محاسبته محدودة، يتحول الاغتيال إلى وسيلة لترهيب المجتمع الإعلامي بأكمله، وليس الضحية وحدها.

خامسًا: أين المكان الآمن للصحفي؟
الإجابة المؤلمة أن المكان الآمن يكاد يكون غائبًا.
فالصحفي قد يواجه الخطر في:
- منزله  
- مقر عمله  
- أثناء تنقله  
- على الحواجز الأمنية  
- داخل السجون  
- وحتى في منفاه  
كما أصبحت التهديدات الرقمية والملاحقات الإلكترونية وحملات التشهير جزءًا من أدوات إسكات الأصوات المستقلة.
إن تعدد الأطراف المسيطرة يعني أن الصحفي قد يجد نفسه بين أكثر من سلطة، وكل منها تنظر إلى استقلاليته باعتبارها تهديدًا لمشروعها السياسي.

المحور الثاني: آليات الحماية
أولًا: الشتات.. الحماية التي تحولت إلى معاناة جديدة
اختار آلاف الصحفيين مغادرة اليمن حفاظًا على حياتهم وحياة أسرهم، لكن النجاة لم تكن نهاية المعاناة.
ففي بلدان اللجوء، يواجه الصحفي:
- البطالة  
- فقدان مصادر الدخل  
- صعوبات الإقامة القانونية  
- اضطراب الهوية المهنية  
- الضغوط النفسية  
- تفكك الأسر  
- تراجع فرص العودة  
لقد أنقذ الشتات الأرواح، لكنه أنتج أزمة مهنية وإنسانية طويلة الأمد.

ثانيًا: ما هي آليات حماية الصحفيين؟
الحماية الحقيقية لا تبدأ بعد وقوع الانتهاك، بل قبله، ومن أبرز الآليات:
- بناء منظومة إنذار مبكر للتهديدات  
- التدريب على السلامة المهنية والأمن الرقمي  
- توفير دعم قانوني عاجل  
- إنشاء صناديق طوارئ للصحفيين  
- برامج إعادة التوطين للمعرضين للخطر الشديد  
- تأمين صحي ونفسي  
- توثيق الانتهاكات بشكل مهني  
- تعزيز التضامن بين المؤسسات الإعلامية  

ثالثًا: من المسؤول عن حماية الصحفيين؟
تقع المسؤولية الأولى على عاتق الدولة باعتبارها الضامن الدستوري للحقوق والحريات، كما تتحمل المسؤولية أيضًا:
- السلطات المحلية  
- الأجهزة الأمنية  
- القضاء  
- النيابات  
- نقابة الصحفيين  
- المنظمات الحقوقية  
- المؤسسات الإعلامية  
- المجتمع الدولي في حالات النزاع  
ولا يمكن نقل مسؤولية الحماية بالكامل إلى الصحفي نفسه.

رابعًا: هل تؤدي الجهات المعنية دورها؟
تبذل بعض المنظمات والنقابات جهودًا في التوثيق والمناصرة والدعم، إلا أن حجم الأزمة يتجاوز الإمكانات المتاحة.
وفي المقابل، كثيرًا ما تُوجَّه انتقادات للسلطات والجهات المعنية بأنها تكتفي ببيانات الإدانة أو الفعاليات التضامنية، بينما تظل ملفات التحقيق والمحاسبة متعثرة، ما يعزز شعور الصحفيين بأن العدالة لا تزال بعيدة المنال.

خامسًا: نقابة الصحفيين والروابط المهنية.. أي دور وما المطلوب؟
تظل النقابات والروابط المهنية خط الدفاع الأول عن الصحفيين، لكن نجاحها يتوقف على استقلاليتها وقدرتها على تمثيل جميع الصحفيين بعيدًا عن الاستقطابات السياسية.
ويتمثل المطلوب في:
- تعزيز استقلال القرار النقابي  
- تحديث قواعد العضوية والتمثيل  
- بناء شراكات دولية فعالة  
- إنشاء وحدات قانونية متخصصة  
- تطوير برامج الحماية والسلامة  
- إنشاء قواعد بيانات دقيقة للانتهاكات  
ومن هنا، يجب توحيد جهود الكيانات الصحفية للدفاع عن حرية الإعلام، لأن إصلاح مؤسسات الحماية يبدأ من داخل الجسم الصحفي نفسه، عبر ترسيخ قيم التضامن المهني وتقديم المصلحة العامة للمهنة على الانقسامات السياسية.

الخلاصة:
تكشف التجربة اليمنية أن استهداف الصحافة ليس نتيجة جانبية للحرب، بل أصبح في كثير من الأحيان أداة من أدوات إدارة الصراع. فكلما ضعفت الدولة، اتسعت مساحة العنف ضد الإعلام، وكلما غابت المحاسبة، أصبح الصحفي هدفًا مشروعًا في نظر من يسعى لاحتكار الحقيقة.
ولا يمكن بناء سلام مستدام في اليمن دون صحافة حرة وآمنة؛ لأن الإعلام المستقل ليس خصمًا للدولة، بل أحد أهم ضمانات بقائها. ومن دون حماية الصحفيين، ستظل الحقيقة نفسها في مرمى النيران، وسيبقى المجتمع هو الخاسر الأكبر.

 
*أكاديمي ومحلل سياسي