رحيل الفريق المؤمن.. قصة وفاء عسكرية بطلها الملازم مبارك عبدالله المبارك

رحيل الفريق المؤمن.. قصة وفاء عسكرية بطلها الملازم مبارك عبدالله المبارك
مشاركة الخبر:

تستدعي قراءات التاريخ المعاصر، وتأمل مسارات بناء الدول، التوقف بتقدير عميق أمام اللحظات الإنسانية التي تصنع وجدان الشعوب، وتوثق روابطها الوطنية. ومع رحيل رئيس أركان الجيش الكويتي الأسبق، الفريق الركن علي محمد المؤمن، لا نودع مجرد عسكري فذ ودبلوماسي حكيم فحسب، بل نقف أمام مشهد استثنائي تتجسد فيه أسمى معاني الوفاء العابر للأجيال، وترسخ فيه قيم الولاء والتقدير المتبادل بين رواد الوطن وأبنائه.

في عام 1996، وعقب تخرجه من الكلية العسكرية الملكية البريطانية العريقة (ساند هيرست)، نال الشيخ مبارك عبدالله المبارك الصباح شرف التكريم حين قلده الفريق الركن علي المؤمن وسام العسكرية. في تلك اللحظة، تجاوز الراحل الكبير حدود الرسميات والبروتوكولات، ليربط الحاضر بالماضي بكلمات حفرت في الوجدان، حين خص الملازم مبارك بحديث استثنائي قال فيه: «أما بالنسبة للملازم مبارك، فإن له موقعًا خاصًا، لأني وقفت الموقف نفسه الذي يقفه اليوم أمام والده الشيخ عبدالله المبارك في الخمسينيات، بصفته القائد الأعلى للجيش».
لقد اختزلت هذه الكلمات المؤثرة عقودًا من الزمن، وجسدت حقيقة المدرسة العسكرية الكويتية القائمة على حفظ الود والاعتراف بفضل جيل الرواد.
وحين استدعى الفريق المؤمن تلك الذكرى، فإنه كان يستحضر العصر الذهبي لتأسيس الدولة، والمناقب الاستثنائية للمغفور له، بإذن الله، الشيخ عبدالله المبارك الصباح، الذي يُعد المصمم الأول والمهندس الحقيقي لمنظومة الأمن والدفاع في الكويت. وتتلخص أبرز منجزاته التاريخية فيما يأتي:
- تأسيس الجيش الكويتي: قاد بنجاح تحويل دائرة الأمن العام إلى نواة جيش نظامي حديث ومحترف، يقوم على أسس عسكرية راسخة.
- إطلاق السلاح الجوي: يُعد الأب الروحي للطيران الكويتي، إذ أسس نادي الطيران وسلاح الجو لحماية الأجواء الوطنية.
- تأهيل الكوادر البشرية: فتح الباب أمام الشباب الكويتي للانخراط في السلك العسكري، وحرص على ابتعاثهم إلى الخارج لاكتساب العلوم العسكرية الحديثة.
- القيادة الحازمة والإنسانية: جمع بين الحزم في حفظ أمن الوطن، والتواضع والرحمة الأبوية في تعامله مع العسكريين والمواطنين.
- دعم النهضة الشاملة: كان ركيزة أساسية وسندًا للنهضة التعليمية والثقافية والرياضية في الكويت قبل الاستقلال.

إرث ممتد وأمانة محفوظة
لقد غادرنا الفريق علي المؤمن بعد مسيرة حافلة جمعت بين شرف الجندية وحكمة الدبلوماسية، مؤديًا واجبه تجاه وطنه بكل صمت وإخلاص. واليوم، ونحن نستذكر كلماته وموقفه المؤثر، ندرك تمامًا أن دولة الكويت بُنيت بسواعد رجال لم يبتغوا جاهًا أو منصبًا، وإنما ابتغوا رفعة وطنهم.
رحم الله الفريق علي المؤمن، وجزاه خير الجزاء عما قدمه لوطنه، ورحم الله صانع الجيش الأول الشيخ عبدالله المبارك الصباح. وسيبقى خط الوفاء الممتد بين جيل الرواد وجيل البناة منارة تضيء طريق الأجيال في حب الكويت والتضحية من أجلها.
وتتجسد رفعة أخلاق الشيخ مبارك عبدالله المبارك في أبهى صورها، وهو يستحضر مآثر رفيق السلاح الفريق علي المؤمن؛ وفاء أصيل يبرهن أن الفضل لا يعرفه إلا أهله. وكيف لا يكون وفيًا ومخلصًا لقائده العسكري، وهو الذي شب في كنف الحزم والريادة التي غرسها فيه والده الشيخ عبدالله المبارك، ونهل قيم الإنسانية من والدته "أم الخير"، سيدة الحرف وشيخة العطاء، الشاعرة الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح.
ألم يقل الشاعر العربي قديمًا: **«إن من الوفاء ثناءً»**؟
رحم الله الشيخ عبدالله المبارك، ورحم الفريق علي المؤمن، وجعل سيرتهما العطرة نبراسًا للأجيال القادمة.