صرخات من كبار السن.. من يسمعها؟ خريف العمر في "جمهورية الطوابير" .. حين تصبح الشيخوخة تهمة في اليمن
في الوقت الذي تحتفي فيه بعض الدول بكبار السن بوصفهم "بركة" و"رصيدًا إنسانيًا"، يعيش المسن اليمني اليوم كفاحًا مريرًا من أجل البقاء. فبعد عقود من العطاء، يجد المواطن اليمني نفسه، عند بلوغه سن الستين، محاصرًا بين ضعف الراتب، وانعدام الرعاية الصحية، ونظرة مجتمع لا ترحم.
هذا التحقيق يفتح نافذة على وجوه أرهقها الزمن وأتعبها التجاهل.
أصوات من واقع المعاناة
أصبحت معاملة الدولة لي كأنني عبء ثقيل
الحاج محمد (67 عامًا، معلم متقاعد) يقول:"تخيل أنني أفنيت 40 عامًا من عمري في تعليم أجيال، وعندما وصلت إلى سن التقاعد، وجدت الراتب الذي كنت أتقاضاه قد تقلص إلى فتات لا يكاد يغطي قيمة الدواء الشهري للضغط والسكري. أقف في طوابير طويلة تحت الشمس لأستلم معاشًا لا يسمن ولا يغني من جوع، والأدهى من ذلك أنني أحيانًا أعود خالي الوفاض بسبب نقص السيولة أو تعقيدات إدارية لا تنتهي. لقد أصبحت معاملة الدولة لي كأنني عبء ثقيل، بدلًا من أن أكون شخصًا يستحق التقدير بعد كل سنوات العمل. لم يعد لي من أمنيات سوى أن أجد ما أسد به رمق أسرتي، وأشتري الدواء الذي يمنعني من الانهيار تمامًا، فالمرارة التي أشعر بها اليوم تفوق مرارة الفقر نفسه."
متسولة في وطني
الحاجة فاطمة (63 عامًا، أرملة) قالت:"عشت حياتي أربي أبنائي بكرامة، وعندما رحل زوجي وتجاوزت الستين، لم أجد من يعيلني في هذه البلاد. لا يوجد معاش تقاعدي يغطي احتياجاتي، وأنا لا أملك قوت يومي إلا بفضل مساعدة الجيران أو ما يجود به فاعلو الخير في رمضان. عندما أمرض، أضطر إلى تجرع الألم في بيتي؛ لأن المستشفيات الحكومية خاوية من الأدوية، والخاصة لا ترحم الفقراء بأسعارها الخيالية. أحيانًا أمشي لمسافات طويلة بحثًا عن المساعدات الإنسانية التي توزع هنا وهناك، وأقف في طوابير وسط الزحام والتدافع، كأنني متسولة في وطني. كرامتي التي حافظت عليها طوال عمري أراها تذبل يومًا بعد يوم أمام قسوة العيش وغياب أي حماية اجتماعية حقيقية لنا كمسنات."
لا تأمين صحي، لا معاش، ولا دعم من أي جهة حكومية
العم عبده (70 عامًا، عامل بناء سابق) قال:"لم أكن موظفًا حكوميًا في حياتي، كنت عاملًا يوميًا، وحين تقدم بي العمر ولم تعد عضلاتي قادرة على حمل البلك وأكياس الإسمنت، وجدت نفسي في الشارع حرفيًا. لا تأمين صحي، لا معاش، ولا دعم من أي جهة حكومية؛ أنا، في نظر المسؤولين، رقم غير موجود في السجلات. أعيش على ما يتبقى من فتات عمل أبنائي الذين يعانون هم أيضًا من ضنك العيش وقلة الفرص في هذه البلاد. في كل يوم أخرج فيه إلى الشارع، أشعر بالخزي وأنا أحاول توفير ثمن خبز اليوم، فالمسن في اليمن ليس له قيمة إلا إذا كان له مال يملكه. نحن ننتظر الموت في صمت، وكل ما نرجوه ألا يطول بنا المرض؛ لأننا ببساطة لا نملك تكلفة التكفين والدفن."
الخدمات بعد الستين عامًا أحلام لا تتحقق
الحاج صالح (65 عامًا، موظف سابق) قال:"الخدمات التي نسمع عنها في الخارج، مثل الرعاية المنزلية والمواصلات المجانية، هي أحلام بالنسبة لنا هنا في اليمن. الواقع أنني حتى لو أردت ركوب الحافلة العامة، أضطر إلى دفع الأجرة كاملة، ولا أحد يلتفت إليّ كمسن يحتاج إلى مقعد أو مساعدة.
المؤسسات الصحية التي يفترض أنها حكومية تطلب منا شراء كل شيء، من الإبرة إلى الشاش، فما الفائدة من وجودها إذا كان الراتب لا يكفي لأبسط الفحوصات؟
نحن نعيش في عزلة تامة، حتى أبناؤنا لا يجدون الوقت لرعايتنا بسبب انشغالهم بالبحث عن الرزق في هذه الظروف الصعبة. أشعر أنني في سجن كبير اسمه البيت، لا يزوره أحد ولا يسأل عنه مسؤول، وننتظر فقط متى تنتهي هذه الرحلة المؤلمة."
حتى الكرامة سلبوها منا
الحاجة مريم (69 عامًا، ربة منزل) قالت:"أكبر مأساة تواجه المسنين اليوم هي الشعور بالإهمال؛ نحن نرى العالم يتطور ويخصص للمسنين مراكز رعاية وأندية، ونحن هنا لا نجد حتى رصيفًا للمشي عليه بأمان. أصيبت عيناي بالماء الأبيض، والعملية تحتاج إلى مبلغ لا أملكه، فقررت أن أستسلم للظلام بدلًا من أن أطلب المساعدة من أحد.
كلما زارني أحفادي، أخفي عنهم دموعي لكي لا يشعروا بمدى انكساري، فالبيت الذي كان مليئًا بالحياة أصبح مكانًا باردًا يملؤه السعال والألم. أرجو أن تتذكرنا الدولة يومًا ما، ليس بصدقة تُرمى لنا، بل بحقنا في العيش بكرامة، وحقنا في الدواء والعيش الهادئ الذي يليق بمن أفنوا أعمارهم في بناء هذا المجتمع."
كنت أظن أن خريف العمر سيكون فترة للراحة والتأمل، لكنه تحول إلى صراع يومي
العم سعيد (72 عامًا، مزارع) قال:"الأرض التي كنت أحرثها بيدي لم تعد تعطينا محصولًا كافيًا بسبب انعدام الوقود وارتفاع أسعار الأسمدة، وأنا اليوم عاجز عن العمل في الحقل. كنت أظن أن خريف العمر سيكون فترة للراحة والتأمل، لكنه تحول إلى صراع يومي من أجل لقمة الخبز. لا توجد برامج توعية ولا فرق طبية متنقلة تصل إلينا في القرى؛ فإذا مرضت، يجب أن أُنقل على ظهور الدواب أو في سيارات متهالكة إلى المدينة. الحكومة تفرض علينا الضرائب والجبايات، لكن عندما يحين دورنا لنأخذ حقوقنا، يتوارون عن الأنظار. نحن جيل ضائع، نعيش في الهامش، ونشاهد الحياة تمر أمامنا دون أن نكون جزءًا منها، كأننا أشجار يابسة في انتظار العاصفة."
دولة لا تحترم كبار السن
الحاج حسين (66 عامًا، موظف قطاع خاص) قال:"المشكلة لا تقتصر على الموظفين الحكوميين فقط، بل إن العاملين في القطاع الخاص كالمسحوقين بين سندان غياب القوانين ومطرقة السن. لا يوجد نظام تقاعدي يحمينا، فبمجرد أن تصل إلى سن الستين، يتم تسريحك دون تعويض يذكر، وتجد نفسك في خضم سوق عمل لا يعترف إلا بالشباب. حاولت أن أفتح دكانًا صغيرًا، لكن الضرائب والجبايات التي تفرضها السلطات هنا أكلت ما تبقى من رأس مالي. أشعر أنني أعيش في عالم لا يرحم الضعفاء، حيث يتم تقدير الإنسان بما ينتجه، لا بما قدمه طوال حياته. هذه ليست حياة، هذا بقاء قسري تحت ظروف لا تليق بإنسان كرمه الله. نحن كبار في السن، لكننا نشعر أننا صغار في نظر المسؤولين."
المسنون في اليمن قد سقطوا من حسابات الجميع
الحاجة آمنة (74 عامًا، أرملة) قالت:"لا أطلب الكثير، أطلب فقط أن أتمكن من شراء دوائي بانتظام، فبدونه لا يمكنني التنفس أو الحركة. كلما توجهت إلى مركز صحي، يقال لي إن الدواء غير متوفر أو أن المخزون قد انتهى. نعيش في خوف دائم من المرض، ليس فقط بسبب الألم، بل لأننا نعرف أننا سنكون عبئًا على أبنائنا الذين لا يجدون ما يكفي لأطفالهم.
إن الفقر الذي نعيشه يسلبنا كرامتنا، ويجعلنا ننتظر الموت كمن ينتظر الفرج من سجن طويل. أين المؤسسات الخيرية؟ أين الدولة؟ أين الزكاة التي يفترض أن تذهب إلى مستحقيها؟ يبدو أن المسنين في اليمن قد سقطوا من حسابات الجميع، وكأننا أشباح لا صوت لها ولا وجود لنا إلا في سجلات الوفيات."
الإهانة التي نتلقاها في سن الشيخوخة أصعب من كل الحروب التي خضناها
العم أحمد (68 عامًا، عسكري متقاعد) قال:"خدمت في الجيش لسنوات طويلة، وأصبت في إحدى الحروب، لكنني اليوم لا أجد من يلتفت إلى طلباتي في المستشفى العسكري. حتى الحصول على تقرير طبي يحتاج إلى 'واسطة' ومبالغ مادية. عندما أذهب لاستلام معاشي، أجد طوابير تشبه ساحات المعارك، والجميع يتقاتل من أجل بضع آلاف من الريالات لا تغطي حتى ثمن قنينة غاز. لقد ضاعت كرامة العسكري القديم، وأصبحنا نتسول حقوقنا التي هي أصلًا حق مكتسب بالقانون والدستور.
إن الإهانة التي نتلقاها في سن الشيخوخة أصعب من كل الحروب التي خضناها؛ لأننا هنا نواجه إهمال ذوي القربى قبل إهمال الغرباء، وهو جرح لا يندمل أبدًا."
وعود براقة وواقع مؤلم
الحاجة زينب (65 عامًا، أم لشهداء) قالت:"فقدت أبنائي في الحرب، ووجدت نفسي وحيدة في شيخوختي، بلا سند ولا معين. الدولة التي مات أبنائي من أجلها لم تكلف نفسها عناء السؤال عني. أعيش في غرفة متهالكة في أحد الأحياء، وسقفها يوشك على الانهيار فوق رأسي. في الشتاء أعاني من البرد، وفي الصيف أعاني من الحر، ولا أجد من يساعدني حتى في تنظيف المكان أو تحضير وجبة ساخنة. كل ما أسمعه هو وعود براقة في وسائل الإعلام عن رعاية أسر الشهداء، لكن الواقع هو العكس تمامًا. أنا لا أنتظر المعجزات، أنا أنتظر فقط أن يشعر أحد بوجودي، وأن يطرق بابي شخص ليعطيني حقي الذي يضمن لي العيش الكريم قبل أن أرحل من هذه الدنيا."
ختامًا:
هذه الشهادات ليست مجرد قصص عابرة، بل هي جرس إنذار لمجتمع فقد بوصلته الأخلاقية تجاه من بنوا مجده. إن تقييم الدول لا يقاس فقط بنموها الاقتصادي، بل بمدى رعايتها لأضعف حلقاتها، وكبار السن في اليمن اليوم يمثلون المرآة الصادقة لانكسار الدولة وتآكل منظومة القيم.
لقد حان الوقت لأن تتحول المطالبة بحقوق المسنين من شعارات إلى سياسات عملية، فالتجاهل اليوم خيانة للأمانة، ونكران للجميل، واستخفاف بحقوق الإنسان التي لا تسقط بالتقادم، مهما طال أمد المعاناة.