"مواليد الرصاص".. المليشيا استبدلت "الدولة" بـ"العصابة"، واستبدلت "المواطن" بـ"المشروع: قتيل أو قاتل

"مواليد الرصاص".. المليشيا استبدلت "الدولة" بـ"العصابة"، واستبدلت "المواطن" بـ"المشروع: قتيل أو قاتل
مشاركة الخبر:

بعد أن نجحت المليشيا في تحويل المحافظات إلى "معسكرات تدريب مفتوحة"، حيث أصبحت الرصاصة هي الفصل في كل نزاع، يبدو أن هناك خطة غير معلنة لتخريج جيل يرى في "القتل" مهارة اجتماعية لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة.
نحن لا نتحدث هنا عن مجرد انحراف، بل عن "إعادة هندسة" لمفهوم الطفولة والشباب.

المدرسة مقابل "الميدان"
بينما يذهب الأطفال في العالم لتعلم الرياضيات والعلوم، يتخرج أطفال مناطقنا من "مدرسة المشرف". المناهج هناك لا تحتوي على جداول الضرب، بل على "جداول التمكين":
- الحصة الأولى: كيف تختار سلاحك الشخصي وتنسقه مع ملابسك؟
- الحصة الثانية: لماذا القانون مجرد "وجهة نظر" للمغفلين؟
- حصة النشاط: محاكاة حية لاقتحام منزل أو تهديد خصم.
النتيجة؟ جيل يرى أن "المنطق" ضعف، وأن "القدرة على القتل" هي قمة الرجولة والسيادة.

"تطبيع العنف": عندما تصبح الجريمة "خبرًا عاديًا"
أخطر ما فعلته المليشيا ليس القتل في حد ذاته، بل "تخدير الضمير المجتمعي". فقد اعتاد المواطن على سماع أخبار القتل اليومية، حتى لم يعد يهتز لها جفن. وتحول القتل من "فاجعة" إلى "خبر هامشي" يطالعه الناس وهم يشربون الشاي، تمامًا كما يطالعون أخبار الطقس.
هذا "الاعتياد" هو أخطر سمّ يُحقن في عروق الجيل الجديد؛ إذ يكبر أفراده وهم يظنون أن هذا هو الشكل الطبيعي الوحيد للحياة، وأن البشر يمكن استبدالهم ببساطة.

"قانون الغابة" كمنهج تعليمي
في هذا الجيل، لا مكان للعدالة أو القانون. والتعليمات التي يتلقاها الشباب هي: "خذ حقك بيدك، فالقاضي هو رصاصتك".
القدوة لم تعد الطبيب أو المهندس أو المعلم، بل المشرف الذي يملك الأطقم والمسلحين، ولا يجرؤ أحد على محاسبته.
أما الطموح، فبدلًا من بناء مستقبل مهني، أصبح الوصول إلى رتبة "مشرف" هو الغاية، لما تمنحه من سلطة القتل أو العفو عن الآخرين.

التكلفة المستقبلية: جيل "مُفرَّغ"
ما الذي سيحدث عندما تنتهي الحرب؟
ستجد المليشيا نفسها أمام ملايين الشباب الذين لا يملكون مهارة واحدة سوى "الاستخدام الجيد للسلاح". لقد سلبتهم حقهم في التعليم، وحقهم في الطموح، وحقهم في حياة سلمية، واستبدلت ذلك بـ"هوية القاتل".
هذا الجيل، إذا لم يُنتشل من براثن هذه الثقافة، سيظل مشحونًا بالنزعات العدوانية، بما يجعل المجتمع يعيش حالة من "الاحتراب الأهلي المزمن" لعقود قادمة، وهو ما تريده المليشيا تمامًا؛ فالمجتمع المتناحر لا يجد وقتًا للتفكير في التغيير.

الخلاصة
نحن لا نشهد انهيارًا أمنيًا فحسب، بل "انهيارًا أخلاقيًا ومعرفيًا". لقد استبدلت المليشيا "الدولة" بـ"العصابة"، واستبدلت "المواطن" بـ"المشروع: قتيل أو قاتل".
والمفارقة الساخرة أنها ترفع شعارات "التحرر" و"الاستقلال"، بينما هي، في الواقع، تسجن عقول أجيال كاملة داخل دائرة ضيقة من الرصاص والدم، وتحرمهم من حقهم في أن يكونوا بشرًا أسوياء.

رسالة إلى من لا يزال يؤمن بمستقبل هذا الجيل
الأمر يتطلب أكثر من مجرد إيقاف القتل؛ إنه يتطلب استعادة "المنطق" و"القانون" بوصفهما قيمتين أساسيتين، حتى يدرك هؤلاء الشباب أن الرصاصة قد تنهي حياة إنسان، لكنها لن تبني وطنًا.