نهبُ "أرواحِ الحجارة".. حين يُغتالُ تاريخ اليمن في دهاليزِ الحرب

نهبُ "أرواحِ الحجارة".. حين يُغتالُ تاريخ اليمن في دهاليزِ الحرب
مشاركة الخبر:

في دهاليزِ الحروبِ التي تنهشُ الجسدَ اليمني منذ عقدٍ من الزمن، لم يكتفِ القتلةُ باستباحةِ الحاضرِ وسفكِ الدماء، بل امتدت أيديهم الملوثةُ لتنبشَ القبورَ وتستبيحَ الصمتَ الأبديَّ للأجداد. ثمة حربٌ أخرى تدورُ في الخفاء، حربٌ صامتةٌ وممنهجةٌ تستهدفُ "الذاكرة"، حيثُ تُمارسُ عملياتُ نهبٍ وتجريفٍ واسعةُ النطاقِ للآثار، وكأنَّ الغايةَ هي اقتلاعُ الهويةِ اليمنيةِ من جذورِها الضاربةِ في عُمقِ الزمن.

رحلةُ المسروقاتِ: ما بين النُّقوشِ والادعاءات
لم يكن النبشُ العشوائيُّ سوى واجهةٍ لعمليةٍ مدروسة؛ فبينما كانت المدافعُ تزمجرُ في الميادين، كان "لصوصُ التاريخ" يقتحمون المعابدَ والحصون، ويستخرجون نُقوشاً سبئيةً وحميريةً، ويديرون عملياتِ تهريبٍ عابرةً للحدود.
والأكثرُ إثارةً للريبةِ في هذا المشهدِ القاتم، هو ظهورُ قطعٍ أثريةٍ تحملُ نُقوشاً عبريةً وكنعانيةً في أسواقِ "النخاسةِ التاريخية" الدولية. وهذا التزامنُ المريبُ ليس محضَ صدفة، بل يُثيرُ تساؤلاتٍ حول محاولاتِ إعادةِ كتابةِ التاريخ، وزرعِ شواهدَ مزيفةٍ تُعيدُ صياغةَ الروايةِ التاريخيةِ والدينيةِ لليمن، في مسعىً لربطِها بأجنداتٍ أيديولوجيةٍ غريبةٍ عن ترابِها وتاريخِها العريق.

استراتيجيةُ "الإفراغ": طمسُ الشاهدِ والمشهود
إنَّ ما يحدثُ ليس مجردَ سرقةِ تحفٍ للزينة، بل هو "اغتيالٌ للهوية". فحينَ تُسرقُ الآثارُ من مكانِها الأصلي، يُحكمُ عليها بالإعدامِ المعرفي؛ إذ تُنزعُ من سياقِها الجغرافي، وتُفقدُ دلالتَها التاريخية، لتصبحَ مجردَ "سلعةٍ" في مزادٍ علني، أو "أداةً" في يدِ من يسعى إلى تزييفِ الحقائقِ، ليقولَ للعالم: "هنا لم تكن حضارةٌ يمنية، بل كان شيءٌ آخر".
إنهم لا ينهبون الحجارةَ فحسب، بل ينهبون "الدليلَ" الذي يربطُ اليمنيَّ بأرضِه، ويثبتُ للعالمِ أنَّ هذه الأمةَ كانت، وما تزال، صانعةً للحضارة، لا مجردَ عابرةِ سبيلٍ في صفحاتِ التاريخ.

حصنُ الوعي.. الذي لن ينهدم
رغمَ هذا الطوفانِ من النهبِ، ثمة صمودٌ استثنائي. ففي كلِّ زاويةٍ من هذا الوطن، ينهضُ غيورون يدركون أنَّ حمايةَ التاريخِ هي الجبهةُ الأخيرةُ للحفاظِ على الكرامة. لقد تحولت المتاحفُ الوطنيةُ المهجورةُ، والمواقعُ الأثريةُ المنسيةُ، إلى قضيةِ رأيٍ عام.
إنَّ المحاولاتِ الممنهجةَ لطمسِ الهويةِ اليمنيةِ تتصادمُ اليومَ مع ذاكرةٍ حيةٍ تأبى النسيان. فالنقوشُ التي نُحتت في صخورِ اليمنِ قبل آلافِ السنين، تحملُ في طياتِها روحاً لا تذبل، وصدقاً لا تطاله معاولُ التزوير.

لن تموتَ القصة
سيكتبُ التاريخُ أنَّ اليمنَ واجهتْ في حربِها الأخيرةِ أشرسَ محاولةٍ لتغييرِ ملامحِها، وأنَّ سارقي آثارِها حاولوا سرقةَ "شموخِها" أيضاً. ولكن، كما بقيت سدودُ مأربَ وعروشُ بلقيسَ شاهدةً على عظمةِ الإنسانِ اليمني، سيبقى التاريخُ اليمنيُّ عصياً على الضياع، ومحصناً بوعيِ جيلٍ يعلمُ أنَّ مَن يفقدُ تاريخَه، فقدَ مفتاحَ مستقبلِه.
لقد أرادوا أن يغيروا هويتَنا في الحرب، ولكنهم سيجدون أنَّ التاريخَ اليمنيَّ أكبرُ من نهمِهم، وأبقى من مؤامراتِهم.