المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. هل تشمل الحوثيين وباب المندب؟
لم تعد المفاوضات الأمريكية الإيرانية الجارية في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد بحث عن مخرج للحرب أو تسوية للخلافات بين واشنطن وطهران، بعدما دخلت الممرات البحرية الاستراتيجية في قلب معادلة التفاوض. فمضيق هرمز يمثل ورقة الضغط الإيرانية المباشرة على حركة الطاقة العالمية، بينما أصبح باب المندب والبحر الأحمر مرتبطين بصورة متزايدة بالسيطرة الحوثية و القدرة على تهديد الملاحة والضغط على السعودية.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز ما هو معلن عن أجندة المفاوضات: هل يشمل أي تفاهم أمريكي إيراني مستقبلًا ترتيبات بشأن الحوثيين واليمن وباب المندب؟
المعلومات المنشورة حتى الآن لا تثبت أن الملف الحوثي مطروح رسميًا كبند مستقل في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كما لا توجد أدلة علنية على اتفاق بين واشنطن وطهران بشأن مستقبل الحوثيين. لكن غياب الإعلان الرسمي لا يعني أن اليمن خارج الحسابات الاستراتيجية؛ فالتطورات الميدانية والدبلوماسية الأخيرة تجعل من الصعب فصل أمن هرمز عن أمن باب المندب.
بحسب تقارير رويترز، يدور أحد المسارات المطروحة بين واشنطن وطهران حول إعادة فتح مضيق هرمز مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران، في وقت تراجعت فيه حركة الملاحة عبر المضيق بصورة كبيرة نتيجة الحرب. وفي المقابل، شهد باب المندب أيضًا انخفاضًا في حركة السفن، بينما تصاعدت المخاطر بسبب التقدم الحوثي على الساحل الغربي اليمني وانتقلت السفن الى طريق رأس الرجاء الصالح.
وهنا تتشكل معادلة جيوسياسية جديدة: هرمز في يد إيران، وباب المندب تحت تأثير الحوثيين.
ورغم أن طبيعة النفوذ الإيراني في المضيقين مختلفة، فإن ارتباطهما بأمن الطاقة والتجارة الدولية يجعلهما جزءًا من منظومة واحدة. فإيران تستطيع التأثير بصورة مباشرة في هرمز، بينما امتلك الحوثيون القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر، بما يجعل أي تصعيد في أحدهما ذا تداعيات على الآخر.
والأكثر دلالة أن واشنطن لم تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم ملفًا داخليًا يمنيًا فحسب. ففي منتصف سبتمبر، كشفت رويترز عن اجتماع سري بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين في مسقط، بعد الهجوم الحوثي الذي أدى إلى السيطرة على مساحات واسعة من الساحل الغربي ومواقع استراتيجية عند مدخل باب المندب، ووفق المصادر التي تحدثت للوكالة، أكد الحوثيون خلال اللقاء أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية وذكرو انهم يستهدفون سفن دولة واحدة و المقصود هنا هو المملكة العربية السعودية، فيما ركز الجانب الأمريكي على أمن الملاحة في البحر الأحمر لجميع الدول بلا استثناء بما فيها إسرائيل.
وهذه الاتصالات لا تعني بالضرورة أن واشنطن تتفاوض مع الحوثيين نيابة عن إيران، ولا أنها تقبل بمكاسبهم العسكرية على الساحل الغربي، لكنها تؤكد أن الولايات المتحدة تدرك أن أي ترتيبات لأمن البحر الأحمر لا يمكن أن تتجاهل الطرف الذي يملك القدرة الميدانية على التأثير في حركة الملاحة.
والتطورات العسكرية الأخيرة تزيد أهمية هذا المسار. فقد حقق الحوثيون تقدمًا واسعًا على الساحل الغربي، بما في ذلك السيطرة على مواقع وجزر قريبة من باب المندب. ووصفت رويترز هذا التطور بأنه منح إيران وحلفاءها نفوذًا أكبر على اثنين من أهم الممرات البحرية في المنطقة: هرمز وباب المندب.
وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بما إذا كانت إيران قادرة على إغلاق هرمز، وإنما أيضًا بما إذا كان حلفاؤها في المنطقة قادرين على تهديد باب المندب في الوقت نفسه.
وهنا تظهر أهمية الحوثيين في أي حسابات أمريكية إيرانية.
فإذا كانت طهران تسعى إلى تخفيف الحصار والضغوط الاقتصادية مقابل ترتيبات تتعلق بهرمز، فإن واشنطن قد تجد نفسها أمام سؤال آخر: ماذا سيحدث في البحر الأحمر؟ وهل يمكن أن تضمن إيران عدم استخدام حلفائها للضغط على المصالح الأمريكية والغربية والسعودية في البحر الأحمر؟
لا توجد حتى الآن معلومات علنية تثبت أن واشنطن وضعت هذا الشرط على طهران، ولذلك ينبغي الحذر من القول إن الحوثيين أصبحوا رسميًا جزءًا من الصفقة الأمريكية الإيرانية. لكن من الناحية الاستراتيجية، سيكون من الصعب على الولايات المتحدة أن تتعامل مع حرية الملاحة باعتبارها ملفًا منفصلًا لكل مضيق.
فالممرات البحرية في المنطقة مترابطة اقتصاديًا وأمنيًا. وأي اضطراب في هرمز ينعكس على أسواق الطاقة، بينما يؤثر اضطراب باب المندب في خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا وحركة السفن عبر قناة السويس.
والأكثر حساسية أن السعودية أصبحت تقع في قلب هذه المعادلة. فقد تعرضت خلال سبتمبر لهجمات حوثية، في الوقت الذي حقق فيه الحوثيون تقدمًا على الساحل الغربي اليمني، وفي اتصال هاتفي مع الرئيس اليمني رشاد العليمي، ناقش الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التطورات الأخيرة وسيطرة المليشيات الحوثية على باب المندب، إلا أن مصادر يمنية وغربية قالت إن ترمب لم يقدم التزامًا مباشرًا بتقديم دعم عسكري أمريكي ضد الحوثيين.
وهذا الموقف الأمريكي يحمل دلالة سياسية مهمة، دون أن يعني بالضرورة تغيرًا نهائيًا في السياسة الأمريكية تجاه اليمن. فواشنطن تبدو معنية بمنع تهديد مصالحها وحرية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد بالضرورة الانخراط عسكريًا في حرب يمنية واسعة.
وفي المقابل، اجتمعت السعودية وتركيا ومصر وباكستان في نيويورك وأكدت حق الرياض في الدفاع عن نفسها، وشددت على أهمية سلامة الملاحة ودعم الحكومة اليمنية والاستمرار في مسار الحوار والدبلوماسية.
وهنا يدخل البعد المصري بقوة في معادلة البحر الأحمر؛ فاستقرار باب المندب لا يتعلق بالسعودية واليمن وحدهما، بل يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس ومصالح مصر التجارية والاستراتيجية، وبسلامة أحد أهم طرق التجارة العالمية.
كما أن الاتحاد الأوروبي بدأ ينظر إلى التطورات الحوثية باعتبارها تهديدًا متزايدًا لمصالحه. فقد دعت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إلى زيادة عدد القطع البحرية المشاركة في مهمة «أسبيدس» لحماية الملاحة في البحر الأحمر، مشيرة إلى أن التطورات الحوثية أصبحت تؤثر في المصالح الأوروبية وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
وهذا يعني أن باب المندب لم يعد مجرد قضية يمنية أو خليجية، وإنما أصبح جزءًا من منظومة أمن بحري دولية، وهو ما يرفع قيمة الورقة الحوثية في أي صراع إقليمي بين إيران والولايات المتحدة.
لكن السؤال الأصعب يبقى: هل تستطيع إيران أن تقدم ضمانات بشأن هرمز بينما يظل الحوثيون يمتلكون القدرة على تهديد باب المندب؟
هنا توجد عدة احتمالات.
الاحتمال الأول أن يكون المساران منفصلين تمامًا، بحيث تتفاوض واشنطن مع طهران حول الحرب والممرات البحرية والضغوط الاقتصادية، بينما تتعامل مع الحوثيين بصورة مستقلة من خلال الاتصالات المباشرة أو الوساطة العمانية.
والاحتمال الثاني أن تستخدم واشنطن الملف الحوثي كورقة ضغط غير مباشرة على إيران، بحيث يصبح ضبط التصعيد في البحر الأحمر جزءًا من البيئة المطلوبة لإنجاح أي تفاهم أوسع مع طهران، حتى من دون إدراج الحوثيين رسميًا في نص الاتفاق.
أما الاحتمال الثالث، فهو أن تصبح اليمن وباب المندب جزءًا من مرحلة لاحقة من التفاوض، خصوصًا إذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى تفاهم أولي حول هرمز، وأصبح السؤال التالي هو كيفية ضمان حرية الملاحة في بقية الممرات الاستراتيجية.
وهذا الاحتمال الأخير سيكون بالغ الأهمية بالنسبة إلى اليمن والسعودية ومصر ودول الخليج والقوى الدولية المرتبطة بالتجارة عبر البحر الأحمر.
فأي اتفاق يفتح مضيق هرمز، لكنه يترك باب المندب تحت تهديد مستمر، لن يعالج بصورة كاملة أزمة الملاحة والطاقة في المنطقة. وقد يؤدي بدلًا من ذلك إلى إعادة توزيع أدوات الضغط من جبهة إلى أخرى.
وفي المقابل، فإن أي ترتيبات أمريكية إيرانية تتضمن بصورة مباشرة أو غير مباشرة تهدئة في البحر الأحمر، ومنع استهداف السفن، والحفاظ على حرية الملاحة، ستكون لها انعكاسات كبيرة على مسار الحرب اليمنية وعلى مستقبل الحوثيين العسكري والسياسي.
لكن ذلك يفتح سؤالًا يمنيًا بالغ الحساسية: هل يمكن أن يجري تفاهم إقليمي حول أمن الممرات البحرية من دون أن يكون للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا موقع واضح في ترتيبات مستقبل الساحل الغربي وباب المندب؟
فاليمن هو الدولة التي يقع باب المندب وساحله الشرقي ضمن مجالها الجغرافي، وأي ترتيبات دولية أو إقليمية دائمة لأمن هذا الممر لا يمكن أن تتجاهل مسألة السيادة اليمنية ومستقبل السيطرة على الساحل والموانئ والجزر.
كما أن تحويل الحوثيين إلى طرف إقليمي دائم في إدارة أمن باب المندب، من دون معالجة أصل الصراع اليمني وجذر المعضلة اليمنية وسيطرة مليشيات مسلحة على أجزاء واسعة من الدولة اليمنية وعدم تطبيق القرار ٢٢١٦، قد يؤدي إلى تكريس واقع عسكري جديد بدلًا من الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تعتمد المرجعيات والقرارات الدولية ذات الصلة.
لذلك فإن المعادلة لا ينبغي أن تكون: هرمز مقابل باب المندب، وإنما أمن هرمز وأمن باب المندب ضمن منظومة إقليمية واحدة، مع معالجة سياسية لجذور الصراع اليمني.
والمؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن هذا التصور أصبح جزءًا من الاتفاق الأمريكي الإيراني، لكن التطورات المتزامنة تجعل تجاهله أمرًا صعبًا.
فالولايات المتحدة تتفاوض مع إيران حول هرمز، وتتواصل مع الحوثيين بشأن البحر الأحمر، والسعودية تواجه تصعيدًا حوثيًا، ومصر تتابع انعكاسات أمن باب المندب على قناة السويس، بينما يعزز الاتحاد الأوروبي وجوده البحري في المنطقة.
كل هذه المسارات تجري في اللحظة نفسها.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تشمل المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحوثيين؟
بل السؤال الأعمق هو: هل تستطيع واشنطن وطهران التوصل إلى تسوية بشأن هرمز من دون تسوية موازية، أو على الأقل تفاهم، حول باب المندب والبحر الأحمر؟
حتى الآن لا توجد إجابة معلنة، لكن المؤكد أن اليمن لم يعد هامشًا في المعادلة الأمريكية الإيرانية. فالجغرافيا اليمنية، وموقع باب المندب، والسيطرة الحوثية على أجزاء من الساحل الغربي، جعلت من اليمن إحدى ساحات التأثير في أمن الطاقة والتجارة الدولية.
وإذا كانت طهران تفاوض على هرمز، بينما يمتلك الحوثيون القدرة على تهديد باب المندب، فإن أي تسوية أمريكية إيرانية مستقرة ستحتاج في نهاية المطاف إلى الإجابة عن سؤال اليمن.
فقد يكون الاختبار الحقيقي لأي اتفاق مرتقب ليس فقط هل ستفتح إيران مضيق هرمز؟، وإنما أيضًا هل سيبقى باب المندب مفتوحًا وآمنًا؟
وهنا تحديدًا تتقاطع المفاوضات الأمريكية الإيرانية مع مستقبل الحرب اليمنية واستعادة الدولة اليمنية وأمن البحر الأحمر ومصالح السعودية ومصر ودول الخليج والمجتمع الدولي.
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني