زمن النور قبل عتمة الكهنوت .. حين كانت اليمن مدينة للأحلام فأصبحت معسكراً للرعب

زمن النور قبل عتمة الكهنوت .. حين كانت اليمن مدينة للأحلام فأصبحت معسكراً للرعب
مشاركة الخبر:

​قبل أن تُبتلى اليمن بتلك الغيمة السوداء التي هبطت من كهوف التاريخ لتغطي وجه مدنها وقراها، كانت سنوات ما بعد التحرير ومراحل البناء الوطني تشبه الحلم الجميل؛ فترة ذهبية تنفست فيها البلاد عبير الحرية، وعاش أبناؤها في طمأنينة ورغد عيش تلمس أثره في حركة الأسواق، وازدهار التعليم، وبساطة الحياة الكريمة التي لا تعرف القهر. 
كانت الشوارع تضج بالضحكات، والجامعات تفرخ العقول لا المتفجرات، والبيوت آمنة بأبوابها المشرعة على المحبة. لكن، وكما يغتال الخريف نضارة الربيع، جاء "مشغول هذا الزمن" مليشيا الحوثي الإرهابية التدميرية، لتقتلع بذور الحياة وتزرع بدلاً منها ألغام الحقد والكراهية. 
حولت هذه الجماعة الكهنوتية حياة اليمنيين في المناطق الشمالية إلى جحيم مطبق، حيث الجوع منسوج بالخوف، والموت مفروض على الهامش، والابتسامة جريمة تعاقب عليها المليشيا.
في هذا الاستطلاع الصحفي، نستحضر مع شهود عيان تلك الأيام المعطرة بالأمان، ونقيس بها حجم المأساة التي جلبها الانقلاب الحوثي الأسود.

​ذكريات الفردوس المفقود وقسوة الجحيم الحوثي

​القاضي أحمد عبدالله: "كنا نقاضي الظلم، فأصبحت المليشيا هي الخصم والحكم"
​يسترجع القاضي أحمد أيامه في سلك القضاء بابتسامة حزينة قائلاً: "يا أخي، كانت الدولة قانوناً، والعدالة هواءً نتنفسه بحرية. في تلك السنوات الذهبية، كان المواطن يشعر بكرامته مصانة، وراتبه يكفيه ليعيش بعزة، والمدارس والجامعات تضيء عقول الأجيال. أما اليوم، فقد ألغت المليشيا القانون واستبدلته بشريعة 'المشرف' الذي لا يعلو صوته صوت. تحولت المحاكم إلى دكاكين للجباية، وأصبح القاضي الحق مهدداً بالتصفية إن لم ينفذ أوامر جُهّال الكهف. لقد سرقوا منا حتى حق التقاضي العادل، لنجد أنفسنا في غابة لا يرحم فيها القوي الضعيف".

​الحاجة فوزية العرومي: "كانت الأسواق عامرة بالخيرات، واليوم نقتات على الفقر والقهر"
​تتنهد الحاجة فوزية بعمق وهي تستعيد ذكريات دكانها الصغير في وسط المدينة: "والله يا بني، كانت أياماً معطرة بالبركة؛ الأسواق مليئة بخيرات اليمن، والناس تشتري وتبيع بوجوه بشوشة ورزق وفير. لم نكن نعرف معنى 'الطابور' إلا لركوب الحافلات، ولم نكن نسمع عن 'المجهود الحربي' الذي يسرق لقمة أطفالنا كل أسبوع. جاء الحوثيون فجلبوا معهم الجوع والفقر المتعمد، وقطعوا الرواتب، وأغلقوا أبواب الرزق. اليوم، تقف الأم في السوق تبكي أمام ثمن رغيف الخبز، بينما يرفرف علمهم الدموي فوق دماء الفقراء. لقد استبدلوا رغد العيش بمرارة الرماد".

​الأستاذ فؤاد المعمري: "التعليم كان بوابتنا للمستقبل، فأصبحت المدارس معسكرات للتجنيد"
​يقول الأستاذ فؤاد، المعلم المتقاعد الذي أمضى عمره في خدمة التربية والتعليم: "شتان بين ثريا الأمس وثرا اليوم. كنا نذهب إلى المدارس لنعرس بالعلم، ونغرس في أطفال اليمن حب الوطن والتقدم والسلام. كانت المناهج بناءة، والطلاب يتنافسون في التفوق والابتكار. أما مع سيطرة هذه المليشيا التدميرية، فقد تحولت المدارس إلى حاضنات للتجهيل المنظم، حيث يُلقن الأطفال ثقافة الموت والصرخات الطائفية بدلاً من العلوم الحديثة. لقد أغتالوا بهجة الطفولة وحولوا المناهج إلى سموم فكرية تقتل عقول الأجيال القادمة وتدمر مستقبل الوطن".

​الدكتورة أروى صالح : "المستشفيات كانت ملاذاً للمريض، فأصبحت مقابر لمن لا يملك ثمن الدواء"
​تتحدث الدكتورة أروى بغضب ممزوج بالحسرة عن واقع قطاع الصحة: "في الماضي القريب، رغم كل التحديات، كانت المستشفيات تقدم رعاية مقبولة، والدواء متوفراً، ونستعن بالكوادر الطبية المؤهلة لإنقاذ الأرواح. مجيء الحوثيين كان بمثابة كارثة بيولوجية واجتماعية على القطاع الصحي؛ نهبوا الأدوية والمستلزمات لمصلحة جبهاتهم العبثية، وأفقروا الأطباء حتى اضطر كثيرون منهم للهجرة. المريض اليوم في مناطق سيطرتهم يدخل المستشفى ليموت ببطء إذا لم يكن يملك ثمن العلاج في السوق السوداء التي يديرها قادة المليشيا. لقد حولوا حق العلاج إلى رفاهية غير مسموحة إلا لأتباعهم".

​ الشاب بشار العديني: "كنا نحلم بالغد، فأصبحنا نخشى شروق الشمس"
​يقول الشاب بشار، الخريج الجامعي الذي يعاني البطالة الإجبارية: "تخرجت بتقدير امتياز في تلك السنوات التي كانت تفتح لنا أبواب الأمل واسعة. كان الشاب اليمني يخطط لمستقبله بثقة، ويسافر، ويبدع، ويبني بيتاً من عرق جبينه. اليوم، تحت حكم هذه المليشيا الإرهابية، أصبح الشباب أمام خيارين أحلاهما علقم: إما التجنيد الإجباري والذهاب لمحرقة الموت في جبهاتهم، أو الموت قهرًا وبطالة في البيوت. لقد سرقوا أحلامنا، وحولوا شبابنا إلى عاطلين عن الحياة، نطارد لقمة العيش في ظل نظام يحصي علينا حتى أنفاسنا".

​الختام:
​إن المقارنة بين صفاء الأيام الخوالي وعتمة الجحيم الحوثي المعاصر لا تكشف فقط عن حجم الخراب الذي زرعته هذه المليشيا الإرهابية، بل توثق لجريمة تاريخية بحق شعب كامل كان يخطو بثبات نحو مستقبل آمن ومزدهر. لقد أثبت الحوثيون أنهم نقيض كامل للحياة، ومشروع استئصالي لا يجيد سوى صناعة المقابر ونشر الخراب. ورغم قسوة الواقع ومرارة السيطرة الكهنوتية، تظل ذكريات الأمان ورغد العيش بوصلة لأبناء اليمن، تذكرهم بأن هذا الليل الحوثي مهما طال واستبد، فلن يطول بقاؤه أمام إرادة شعب أشرق في دمه حب الحياة ورفض الاستعباد، ولسان حاله يقول إن فجر التحرير الجديد قادم لا محالة لاستعادة اليمن السعيد من براثن الظلام.