من حرب بالوكالة إلى نقطة اشتعال إقليمية .. أذرع إيران في اليمن ومعركة استعادة الدولة
لم يعد المشهد اليمني في سبتمبر 2026 قابلاً للقراءة باعتباره امتداداً تقليدياً لحرب يمنية داخلية طال أمدها منذ انقلاب مليشيات الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م وحتى الان والهدن الهشة المتعاقبة بعد اتفاق استوكهولم الذي شكل نكبة في تاريخ اليمن، والتطورات العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي والانسحاب "التكتيكي" والغير مبرر للقوات الحكومية من تلك المناطق، وتصاعد الدور الإيراني في دعم الحوثيين وتواجد الخبراء والأسلحة الإيرانية المتقدمة في اليمن، ووصول تداعيات الصراع إلى أمن السعودية والملاحة في البحر الأحمر وسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب والجزر الاستراتيجية في جنوب البحر الأحمر، بالتزامن مع انتقال الخطاب الدولي من إدانة الحوثيين إلى مطالبة إيران مباشرة بوقف تسليحهم، كلها مؤشرات على انتقال الأزمة اليمنية إلى مستوى إقليمي أكثر خطورة.
وفي 21 سبتمبر، دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران صراحة إلى وقف تسليح ودعم الحوثيين، وربطوا تصعيد الجماعة بتهديد الاستقرار الإقليمي والتجارة العالمية، كما طالبوا الحوثيين بوقف العمليات العسكرية والهجمات على السفن والعودة إلى المسار السياسي.
وبذلك لم يعد السؤال مقتصراً على مستقبل الصراع بين الحكومة اليمنية والحوثيين، بل أصبح متعلقاً أيضاً بموقع اليمن في التوازن الإقليمي، وبمدى قدرة إيران على استخدام الجغرافيا اليمنية، وخاصة باب المندب، كأداة ضغط في مواجهة خصومها.
اليد الإيرانية تنتقل من الدعم إلى التأثير العملياتي
كان الدعم الإيراني للحوثيين خلال السنوات الماضية موضع تقارير وتحقيقات عديدة، لكنه اتخذ في سبتمبر بعداً أكثر وضوحاً مع الهجوم الحوثي الواسع على الساحل الغربي.
فقد أفادت رويترز في 10 سبتمبر بأن الدعم الإيراني، بما في ذلك الأسلحة المتطورة والخبرات والتوجيه التكتيكي للحرس الثوري الإيراني، لعب دوراً في تمكين الحوثيين من السيطرة على مدينة المخا ومناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر، ونقلت الوكالة عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني قدموا توجيهاً للعملية وحضورا مباشرا لخبراء وضباط من الحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني، مع الإشارة إلى مواصلة نفي إيران أنها تدير العمليات العسكرية للحوثيين بصورة مباشرة.
وهنا تكمن أهمية التحول.
فإذا كان الدعم الخارجي في مراحل سابقة يقوم بصورة رئيسية على نقل السلاح والخبرة وتقديم المشورة، فإن انتقاله إلى مستوى التوجيه العملياتي والتكتيكي والحضور المباشر ونصب خبراء إيرانيين لمنظومة ردار ودفاع جوي على السواحل اليمنية، وفق ما أوردته المصادر التي تحدثت إليها رويترز، يعني أن العلاقة بين الطرفين أصبحت أكثر التصاقاً بالميدان.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الحوثيين فقدوا استقلال قرارهم كلياً، بل إن الأخطر هو ظهور صيغة أكثر تعقيداً: جماعة محلية تمتلك مشروعها وأجندتها، لكنها أصبحت جزءاً من شبكة إقليمية تستطيع من خلالها طهران توسيع نطاق الضغط على خصومها عبر الجغرافيا اليمنية.
وتزداد أهمية ذلك عندما تكون الجغرافيا نفسها ذات قيمة استراتيجية استثنائية.
فالمخا وباب المندب ليسا مجرد مواقع في خارطة الحرب اليمنية، إنهما يقعان على واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن أي قوة تمتلك القدرة على تهديد الملاحة أو تعطيلها تستطيع تحويل الصراع اليمني إلى أزمة تتجاوز الحدود.
ولهذا فإن سيطرة الحوثيين على مواقع في الساحل الغربي، وما رافقها من تهديدات للملاحة، لا يمكن فصلها عن التطورات الأوسع في المنطقة.
من الحوثيين إلى إيران: تغير لغة مجموعة السبع
التحول الآخر الذي يستحق التوقف عنده هو الموقف الغربي.
في السابق، كانت الأزمة اليمنية تُطرح في كثير من البيانات الدولية باعتبارها أزمة سياسية وإنسانية تتطلب وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، أما أن تتوجه مجموعة السبع في بيان مشترك إلى إيران مطالبة إياها بوقف تسليح ودعم الحوثيين، فهذه لغة مختلفة في توصيف طبيعة الأزمة.
بيان 21 سبتمبر لم يكتف بإدانة هجمات الحوثيين، وإنما ربط الدعم الإيراني للجماعة بنمط تصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي والتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية أكبر لأنها جاءت في توقيت شديد الحساسية، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي ظل تصاعد المواجهة في اليمن واتساع المخاوف من تأثيرها على السعودية والممرات البحرية.
وهنا يمكن فهم التحول في الخطاب الدولي باعتباره انتقالاً من التعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفاً يمنياً في نزاع داخلي، إلى التعامل مع نشاطهم باعتباره جزءاً من معادلة أمن إقليمي أوسع.
وهذا التحول يحمل دلالة سياسية مهمة: كلما ازداد ارتباط القدرات الحوثية بالأسلحة والخبرات والدعم الإيراني، أصبح من الصعب فصل الملف اليمني عن الصراع الإقليمي بين إيران وخصومها.
باب المندب يتحول إلى ورقة ضغط إقليمية
المشكلة الأخطر أن اليمن يمتلك موقعاً جغرافياً لا يسمح بحصر الحرب داخل حدوده.
فباب المندب يمثل حلقة أساسية في طرق التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، وأي تهديد مستمر للملاحة فيه يرفع تكلفة النقل والتأمين ويؤثر في سلاسل الإمداد والطاقة.
وقد جاءت التطورات العسكرية الأخيرة لتؤكد هذا البعد، فقد أفادت رويترز بأن الحوثيين تقدموا على الساحل الغربي وسيطروا على مواقع استراتيجية قرب باب المندب، بينما تصاعدت الهجمات على السعودية، الأمر الذي وضع أمن الملاحة والطاقة في قلب الحسابات الإقليمية ومن هنا جاء اجتماع رؤساء الاركان للدول الثلاث المنظوية في تحالف مكة للدفاع المشترك لبحث الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية و ما يمكن عمله بهذا الخصوص.
كما أكدت دول إقليمية، بينها السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في بيان مشترك خلال اجتماعات الأمم المتحدة، أهمية أمن الملاحة وحق السعودية في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات الحوثية.
وبالتالي، فإن السيطرة أو النفوذ على الساحل الغربي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مكسباً جغرافياً للحوثيين فقط، وإنما باعتباره امتلاكاً لأداة يمكن استخدامها في الضغط على السعودية والمجتمع الدولي.
وهنا تصبح معركة استعادة الدولة اليمنية مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر، وليس فقط بموازين القوى داخل اليمن.
العليمي بين التعبئة والاستيعاب
في خضم هذا التحول، جاء خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي في الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر ليحمل رسالتين متوازيتين: التعبئة من جهة، وفتح باب العودة من جهة أخرى.
ففي خطابه، دعا العليمي اليمنيين إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن والالتحاق بصفوفها عبر القنوات الرسمية، وربط ذلك بالدفاع عن الجمهورية ومؤسسات الدولة.
لكن الخطاب لم يكن خطاب مواجهة عسكرية فقط.
فالدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي أعلن في الوقت نفسه فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية، مؤكداً أن من يترك صفوف الحوثيين أو يتوقف عن القتال أو العمل لصالحهم سيكون مشمولاً بعفو شامل وفق الإجراءات الدستورية والقانونية، مع تسوية أوضاع العسكريين والأمنيين وحماية حقوقهم الوظيفية المكتسبة.
وهذه الثنائية تحمل دلالة سياسية وعسكرية مهمة.
فالتعبئة تستهدف بناء قدرة الدولة على مواجهة التهديد، بينما يستهدف الاستيعاب تقليص القوة البشرية التي يعتمد عليها الحوثيون، وفتح مخرج لمن يرغب في مغادرة صفوف الجماعة دون أن يتحول ذلك إلى دائرة جديدة من الانتقام والثأر.
كما أن اختيار ذكرى 26 سبتمبر تحديداً يمنح الخطاب بعداً وطنياً وتاريخياً، إذ قدم العليمي الصراع باعتباره مرتبطاً بمستقبل الجمهورية والدولة والمواطنة وسيادة القانون، وليس مجرد مواجهة عسكرية على الأرض.
النفير العام وحده لا يكفي
لكن السؤال الأهم يبدأ بعد الخطاب: كيف تتحول التعبئة السياسية إلى قدرة عسكرية؟
هذه هي المعضلة التي واجهت القوى المناهضة للحوثيين طوال السنوات الماضية.
فالمشكلة لم تكن دائماً في نقص المقاتلين بقدر ما كانت في تعدد التشكيلات ومراكز القرار، وتفاوت مستوى التنسيق، وغياب القيادة العسكرية الموحدة القادرة على إدارة المعركة باعتبارها عملية واحدة.
والتطورات الأخيرة كشفت خطورة هذه المشكلة.
فالتقدم الحوثي السريع على الساحل الغربي، وفق التقارير المتاحة، أظهر ضعفاً في منظومة الدفاع والتنسيق لدى القوات المناهضة للحوثيين، بينما تمكن الحوثيون من استثمار عامل المفاجأة والضغط المتزامن على أكثر من محور.
ولهذا فإن نجاح النفير العام لن يقاس بعدد الذين يلتحقون بمعسكرات التجنيد، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه القوة البشرية إلى مؤسسة عسكرية موحدة، ذات قيادة واضحة وتسلسل أوامر واحد وقدرة استخباراتية ولوجستية متماسكة.
وهنا تبرز ثلاثة شروط أساسية:
أولها توحيد القرار العسكري، بحيث لا تبقى الجبهات رهينة تعدد التشكيلات ومراكز القرار.
وثانيها إعادة بناء الجاهزية القتالية، بما يشمل التدريب والتسليح والإمداد والاستخبارات والاتصالات، لأن الحرب الحديثة لا تحسمها الكتلة البشرية وحدها.
وثالثها التكامل مع الدعم الإقليمي والدولي، بحيث يكون الدعم الخارجي إسناداً لقوة يمنية منظمة، وليس بديلاً عنها.
وهذه النقطة تحديداً مهمة في قراءة موقف السعودية والتحالف.
فالرئيس العليمي نفسه دعا الدول الشقيقة والصديقة إلى الوقوف إلى جانب الحكومة والقوات المسلحة ومساندة التحالف بقيادة السعودية، مؤكداً أن استعادة مؤسسات الدولة ليست مصلحة يمنية فقط وإنما مصلحة للمنطقة والعالم.
هل تغيرت المعادلة العسكرية؟
المؤشرات الأخيرة لا تعني أن ميزان الحرب قد حُسم.
صحيح أن القوات الحكومية أعلنت في 27 سبتمبر تنفيذ 756 عملية استهداف خلال 72 ساعة، وقال المتحدث العسكري إنها أدت إلى تحييد 2316 من عناصر الحوثيين بين قتيل وجريح، إضافة إلى مقتل أربعة خبراء إيرانيين، وفق الرواية العسكرية الحكومية. وهذه الأرقام تبقى أرقاماً صادرة عن طرف في الحرب ولا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة حتى الآن.
لكن الإعلان مهم من زاوية أخرى، لأنه يشير إلى أن القوات الحكومية بدأت الانتقال من مجرد احتواء الخسارة إلى محاولة استعادة زمام المبادرة في عدد من الجبهات.
وفي المقابل، ما زال التحدي الأساسي قائماً: كيف يمكن ترجمة الضربات والعمليات المتفرقة إلى عملية عسكرية متكاملة تستعيد الأراضي والمواقع الاستراتيجية التي فقدتها القوات المناهضة للحوثيين؟
فالاستنزاف وحده لا يكفي لاستعادة الدولة، كما أن التفوق الجوي لا يتحول تلقائياً إلى سيطرة ميدانية ما لم توجد قوة برية منظمة تستطيع استثمار نتائجه.
من حرب بالوكالة إلى اختبار مباشر للأمن الإقليمي
ما يحدث في اليمن خلال سبتمبر 2026 يعيد تعريف طبيعة الصراع.
الحوثيون لا يزالون طرفاً يمنياً مدعوم وموجه من ايران تزج به في هذه الحرب خدمة لمصالحها، لكن اتساع الدعم الإيراني المعلن في التقارير الدولية، وارتباط العمليات العسكرية بأمن السعودية والبحر الأحمر، والتعامل الغربي المتزايد مع إيران باعتبارها جزءاً من المشكلة، كلها تجعل من الصعب النظر إلى الحرب باعتبارها شأناً يمنياً داخلياً فقط.
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فإذا استمر الحوثيون في توسيع نفوذهم على الساحل الغربي، فإن باب المندب قد يتحول بصورة متزايدة إلى نقطة احتكاك بين قوى إقليمية ودولية، بما يحمل مخاطر على أمن الملاحة والطاقة والتجارة العالمية.
وفي المقابل، فإن استعادة الدولة اليمنية لا يمكن أن تبدأ من شعار سياسي فقط، وإنما من إعادة بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، واستعادة القرار الوطني، وإنهاء حالة تعدد مراكز القوة، والاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي ضمن استراتيجية يمنية واضحة.
لقد أعلن الرئيس العليمي التعبئة العامة، وفتح في الوقت نفسه باب العودة الآمنة لمن يترك الحوثيين، وهذه معادلة يمكن أن تتحول إلى نقطة بداية لإعادة بناء القوة الوطنية إذا ترجمت إلى إجراءات مؤسسية وعسكرية حقيقية.
أما المعركة الأكبر، فهي ألا تتحول اليمن مرة أخرى إلى مجرد ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية، بل أن يستعيد اليمنيون دولتهم وقرارهم وسيادتهم، وأن يصبح باب المندب جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، لا ورقة في صراع المحاور.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني