ملحمة التحرير التي يصنعها التجار والمرابطون في تعز ليست مقتصرة على البنادق وحدها
تكتظ مدينة تعز بعبق التضحية والصمود الأسطوري، حيث ترسم القلوب لوحة فريدة من التلاحم المجتمعي العميق في وجه آلة الحرب والدمار الحوثية. ففي قلب حي "التحرير الأسفل"، التجاري النابض بالحياة رغم الحصار والوجع، تتكشف كل يوم قصص بطولية لا تُكتب بحروف المداد فحسب، بل تُنسج بنبض قلوب أبنائها الأبرار.
هناك، حيث يتقاطع نبض السوق مع أنفاس الجبهات المشتعلة، تتلاشى الحدود الفاصلة بين المدني المقاتل بسلميته والمرابط المدافع بسلاحه، ليصبح الجميع جنوداً في معركة الدفاع عن الكرامة والهوية اليمنية العربية.
إنها مدينة لا تكسرها رصاصات المليشيات ولا تحرق عزمها نيران الحصار الممنهج، بل تزدهر إنسانية وتضامنًا كلما اشتدت الظروف وقسوتها. وفي صباح هذا اليوم البارد، وتحت سماء تعز الأبية، شهد سوق التحرير مشهدًا إنسانيًا استثنائيًا يختزل حكاية شعب كامل يرفض الانكسار ويحتضن أبطاله بكل حب ودفء.
لقد تجلت أسمى معاني الوفاء والتلاحم في موقف عفوي بليغ، يعكس كيف تقاتل تعز بكل ما تملك من سلاح ومال وقلم وكلمة طيبة وغذاء لتطهير ترابها الطاهر من براثن المليشيات الحوثية المعتدية.
هذا الاستطلاع يأخذكم في رحلة وجدانية خالصة إلى تفاصيل ذلك المشهد الذي كادت أن تذرف له الدموع عزةً وافتخارًا، لنرصد عن قرب كيف يتبادل أبناء تعز الحب والوفاء في أبسط تفاصيل الحياة اليومية وأعظمها.
الشاهد الحي: "رصد عيون تفيض فخراً ببطولات الأبطال المرابطين"
يقول الشاهد الذي عاش تفاصيل اللحظة دقيقة بدقيقة وعيناه تترقرقان بالدموع:
«كنت متوجهاً صباح اليوم إلى التحرير الأسفل باحثاً عن قميص شتوي يقيني برد الصباح القارص، وبينما كنت أقف أمام باب المحل، تفاجأت بأربعة أبطال مرابطين يتقدمون الدخول قبلي. كانت آثار الرمال والغبار تكسو وجوههم وثيابهم، وتتضح على محياهم ملامح الإرهاق الشديد وقلة النوم نتيجة الساعات الطوال التي أمضوها في الثغور، وأحدهم كانت يده المصابة ملفوفة بشاش خفيف تغطي آثار الدماء. لم يكونوا يبحثون عن ترف، بل عن أبسط وسائل التدفئة من قمصان صوفية تحمي أجسادهم المتعبة من برد الجبهات القارس. وحين خرج ابن صاحب المحل واستقبله ابتسامة دافئة، سألهم عن حاجتهم فعرف أنهم قادمون لتوهم من جبهات العز بلا راحة ولا نوم. لقد كان موقفاً مذهلاً هز وجداني من الأعماق، وأنا أراقب كيف تحولت التجارة البسيطة إلى محراب للحب والتقدير لأولئك الرجال الأوفياء الذين يذودون عن حياض الوطن. لم أتمالك نفسي، وكادت دوعي تسقط حرقة وفخراً، وأنا أدرك تماماً أن هذه المدينة العظيمة لا يمكن أن تنهزم طالما أن فيها قلوباً تنبض بهذا الوفاء العظيم. إن ما رأيته لم يكن مجرد عملية بيع وشراء، بل كان تجسيداً حياً لملحمة وطنية متكاملة الأركان يشارك فيها الصغير والكبير، التاجر والمقاتل، بصورة تعجز الأقلام عن وصفها. لقد أيقنت في تلك اللحظة أن كل فرد في تعز، سواء حمل البندقية في الجبهة أو سهر على تأمين لقمة العيش أو قدم الكلمة الطيبة والدعم الصادق، هو جندي حقيقي في معركة التحرير الكبرى.
إن مليشيا الحوثي الإرهابية، مهما أمعنت في قتل الأطفال والشيوخ والنساء وحرق الأخضر واليابس، فلن تنال من عزيمة شعب تجذرت روحه في حب الحياة والحرية. وظللت واقفاً أراقب المشهد بتمعن بالغ، مستشعراً عظمة الانتماء لهذا التراب الطاهر الذي ينجب كل يوم أبطالاً يسطرون أروع ملاحم البذل والعطاء بلا حدود.»
ابن صاحب المحل: "صانع البهجة ومجسد الوفاء التجاري الأصيل"
يروي الشاب، ابن صاحب المحل التجاري في التحرير الأسفل، تفاصيل ما جرى بروحه الطيبة وتواضعه الجم قائلاً:
«حين رأيت أولئك الشباب بأعينهم المتعبة وغبار الجبهات العالق بثيابهم، وحين رأيت يد أحدهم المربوطة بالشاش، لم أستطع أن أقف مكتوف الأيدي أو أعاملهم كأي زبون عادي يطلب سلعة. لقد علمنا أنهم قضوا ليلتهم منذ ما قبل ليلة الأمس وحتى صباح اليوم مرابطين في الخطوط الأمامية لمواجهة المليشيا الحوثية دون أن يذوقوا طعم النوم أو الراحة. لذا، كان واجباً عليّ أن أبادر فوراً لتقديم أبسط حقوقهم علينا، فأرسلت في طلب فطور متكامل شمل عصير المانجو المشكل وأصناف السندويشات الساخنة من جبن وحلاوة وبيض مسلوق وزبدة ومربى ليفطروا ويمتلئوا طاقة. وعندما طلبوا منا أثواباً صوفية رخيصة وعلى قدر مالهم المحدود، أبت نفسي إلا أن أضاعف العطاء وأكرمهم بما يليق بمقامهم الرفيع في قلوبنا جميعاً. قمت بتجهيز أكياس دعائية فاخرة تضم أروع الجاكيتات والقمصان والبيجامات والشيلان الصوفية الأصلية لكل واحد منهم، ولم أكتف بذلك بل أخرجت من الدرج مبالغ مالية ووضعتها داخل كل كيس. وحين قدمت لهم الأكياس والهدايا، استهجن الشباب ذلك بدافع الحياء والعفة وحاولوا مراراً إعادة الأكياس والمبالغ، فقلت لهم بكل صدق وإصرار: أقسم بالله أنكم تستاهلون كل خير وأكثر بكثير، ونحن مقصرون معكم كثيراً جداً. أجبرتهم على الإفطار معنا، وتبادلنا أطراف الحديث اللطيف والضحكات المتبادلة التي غسلت تعب الجبهات وأدخلت السرور إلى قلوبهم الطاهرة.
إن ما قدمناه ليس إلا قطرة من بحر تضحياتهم العظيمة في جبهات القتال، فهم من يحمون أعراضنا وأوطاننا من إرهاب مليشيا الحوثي التي دمرت كل شيء جميل في اليمن. سنظل نقف بجانب أبطالنا المرابطين بكل ما أوتينا من قوة ومال وجهد، فالتجارة الحقيقية هي التي تخدم الوطن والمواطن في أوقات المحن والشدائد.»
أحد الأبطال المرابطين: "صوت الجبهة المدافع عن الكرامة والعزة"
يتحدث أحد الأبطال الأربعة المرابطين، وبصوته المبحوح من قلة النوم وآثار المعركة، قائلاً بامتنان بالغ قائلا: «كنا نأتي من الجبهة مباشرة ونحن نكابد برد الشتاء القارص وإرهاق المعارك المستمرة ضد مليشيا الحوثي الغاشمة، ولم تكن أجسادنا المتعبة تحتمل المزيد من القسوة، وكنا نلتمس ما يقيم أودنا ويدفئ أجسادنا على قدر ما نملك من قليل المال. دخلنا المحل ونحن نتحامل على جراحنا وتعبنا، فإذا بنا نفاجأ بهذا الاستقبال الأبوي الحنون والابتسامة الصادقة من ابن صاحب المحل الذي استشعر عناءنا قبل أن ننطق بكلمة واحدة. وما هي إلا دقائق حتى فوجئنا بشاب يحمل أشكالاً من الفطور الشهي والعصير الطازج ويصر على إطعامنا بكل كرم وسخاء، ونحن نتبادل النظرات استغراقاً في هذا الكرم غير المسبوق. ولم تتوقف المفاجأة عند حدود الطعام والشراب، بل تفاجأنا به يقدم لنا أجود أنواع الجاكيتات والقمصان والشيلان الصوفية الفاخرة، ومبالغ مالية معتبرة مخبأة داخل الأكياس. حاولنا جاهدين أن نرد الأكياس ونعتذر عن قبول هذا التكريم المادي والعيني لحفظ ماء وجوهنا، لكنه أقسم بالله أننا نستحق أكثر من ذلك بكثير وأصر علينا بقوة ومحبة صادقة لا ترد.
لقد غمرتنا الدموع في أعماق قلوبنا من شدة التأثر بهذا الموقف الإنساني الجليل الذي نسى فيه أبناء تعز المدنيون همومهم اليومية ليحتضنوا إخوانهم في جبهات القتال. إن هذه المواقف العظيمة هي الوقود الحقيقي الذي يمدنا بالقوة والثبات لنستمر في دحر المليشيات الحوثية الكهنوتية التي تحرق الأخضر واليابس وتستبيح دماء الأبرياء والأطفال والشيوخ والنساء. نعد أهلنا في تعز وكل شبر في اليمن أننا لن نبارح ثغورنا ولن ننحني للظلم، حتى نطهر كل تراب الوطن من دنس المعتدين ونعيد الببسمة الشاملة لكل طفل ومواطن مظلوم. شكراً لكل تاجر شريف، ولكل صاحب كلمة طيبة، ولكل قلم حر يسانِدنًا في معركتنا المصيرية، فتعز بجميع فئاتها جسد واحد ويد واحدة نحو النصر المؤزر بإذن الله.»
قراءة تحليلية عامة: "تكامل الأدوار وتلاحم الجبهة الداخلية في تعز"
يؤكد المراقب للمشهد المجتمعي في تعز من خلال قراءة تحليلية عميقة لمجريات الحدث قائلاً:
«إن ما شهدناه في سوق التحرير الأسفل ليس مجرد صدفة عابرة، بل هو تعبير مكثف عن البنية الأخلاقية والوطنية الصلبة التي تتمتع بها مدينة تعز الصامدة في وجه الحصار الحوثي الغاشم.
إن تعز بكل مكوناتها وفئاتها – من يحمل السلاح في الجبهات، ومن يمتلك المال ويوظفه في خدمة الصمود، ومن يمتلك القلم والكلمة الطيبة لنشر الأمل، ومن يبذل الغذاء والدعم اليومي – تمثل جيشاً متكاملاً من الجنود الأوفياء للوطن. تتداخل الأدوار وتتكامل الجهود لتشكل درعاً منيعاً يحمي الجبهة الداخلية ويثبت أركان المقاومة الباسلة ضد المشروع الحوثي الكهنوتي الذي يسعى لإذلال اليمنيين وكسر إرادتهم الحرة.
حين يتبادل التاجر والمقاتل مشاعر الحب والامتنان، وحين يتسابق الجميع لخدمة المرابطين، ندرك تماماً أن معركة التحرير ليست مقتصرة على البنادق وحدها، بل هي معركة وعي وإنسانية وتكافل مجتمعي عظيم. إن مليشيا الحوثي التي ترتكب أبشع الجرائم بحق الأطفال والشيوخ والنساء، وتستهدف مقومات الحياة اليومية، تصطدم دائماً بصخرة صلبة من التلاحم الشعبي الذي يفشل كل مخططاتها الدنيئة. لذا فإن رصد هذه القصص وتوثيقها يعتبر واجباً وطنياً وتاريخياً يخلد بطولات البسطاء العظماء الذين يصنعون الفارق الحقيقي في حياة الناس ويعيدون تعريف معنى الوطنية الحقّة.
إن تعز تشرق كل يوم بفضل هذه المواقف الإنسانية المضيئة التي تثبت أن النصر قادم لا محالة طالما أن النبض الوطني واحد والقلوب متوحدة على حب الأرض والكرامة. وستبقى تعز منارة للأحرار ومدرسة لكل الشعوب الحية التي تقاوم الظلم والاستبداد بكل ما أوتيت من قوة وإرادة صلبة لا تنكسر أبداً مهما اشتدت العواصف وقست الظروف.»
الخاتمة:
في ختام هذه الجولة الميدانية الاستثنائية من قلب التحرير الأسفل بمدينة تعز الأبية، ندرك تماماً أن النصر ليس مجرد معركة عسكرية تحسمها البنادق وحدها، بل هو في جوهره العميق انتصار للإنسانية والرحمة والتكافل الاجتماعي المتأصل في وجدان هذا الشعب العظيم.
إن المشهد الذي جمع بين أربعة أبطال مرابطين متعبين من جبهات الشرف وابن صاحب المحل المعطاء والشاهد الراصد للدموع والعبرات، يمثل تجسيداً حياً لروح تعز الحقيقية التي تقاتل بكل ما تملك من سلاح ومال وقلم وغذاء وكلمة طيبة لترابها الطاهر. لقد أثبتت هذه المدينة المنكوبة بالحصار الظالم والمكتوية بنيران مليشيا الحوثي الإرهابية أنها قادرة دائماً على صناعة الفرح والأمل من قلب المعاناة والوجع المستمر.
إن الدماء التي تسيل في الجبهات، والدموع التي تذرف تأثراً بالوفاء في الأسواق، والجهود المضنية التي يبذلها التجار والمواطنون لدعم صمود إخوانهم، كلها تتسابق وتلتقي في نقطة واحدة هي الخلاص والتحرير الشامل من براثن المعتدين الحوثيين. فلتعلم المليشيا الحوثية ولكل قوى البغي والعدوان أن تعز لا تهزم ولن تكسر أبداً، طالما أن أطفالها وشيوخها ونسائها وشبابها وتجارها يداً واحدة وقلباً واحداً ينبض بحب الوطن والكرامة الإنسانية السامية.
وستبقى هذه القصص الحية محفورة في صفحات التاريخ العطرة، تروي للأجيال القادمة كيف سطر أبناء تعز أروع ملحمة في التضامن والتضحية والوفاء الخالص لأجل اليمن الكبير والحر والأبي.