قبور بلا ملامح وتوابيت متلاحقة .. مأتم يمني مفتوح في ذمار وعمران وصعدة

قبور بلا ملامح وتوابيت متلاحقة .. مأتم يمني مفتوح في ذمار وعمران وصعدة
مشاركة الخبر:

​حين ترخي ظلال العتمة على السهول والجبال، لا تبدو محافظات ذمار وعمران وصعدة مجرد مناطق جغرافية عادية، بل تتحول في الوجدان اليمني إلى لوحة عزاءٍ كبرى، يرتفع فيها دخان الفقدان محترقاً بنيران "حروب لا ناقة للقبيلة فيها ولا جمل". في هذه البقاع، لم تعد المدارس وحدها مأوى، ولم تعد الطرقات معابر للسلام؛ بل غدت المقابر المترامية الأطراف شواهد صامتة على فصول استنزاف بشري مروع طال زهرة الشباب وكهول القبائل على حد سواء.
مئات النعوش تدق أبواب البيوت كل يوم، تحمل في طياتها حكايات لشباب غرر بهم تحت يافطة "الموت"، لتتحول أحلامهم إلى مجرد أرقام تُطبع على ورقات باهتة في مواكب تشييع رتيبة لا تنتهي.

​رقصة الموت على جراح الأمهات

​في ريف ذمار، حيث تتكئ البيوت الحجرية على قمم الجبال الباردة، لا يكاد مرثية تنتهي حتى تبدأ أخرى. وفي معاقل صعدة وعمران، تتساقط أوراق التوت عن عورات خطاب التعبئة؛ لتكشف عن واقع مرير يعتصره الوجع وتكوية نار الفقد. تشير الإحصاءات والتقارير الميدانية المتواترة إلى موجات نزيف دموي غير مسبوقة في صفوف مليشيا الحوثي، تركزت ثقلها الأعظم في هذه المحافظات الثلاث التي طالما شكلت الخزان البشري الأبرز لجبهات القتال. وكأنما كتب على أبناء هذه الأرض أن يكونوا وقوداً دائماً لمحرقة عبثية، بينما ترتفع أصوات الثكالى خفية خلف الأبواب المغلقة خوفاً من بطش الماكينة الأمنية للمليشيا.

​ نبض الشارع ووجع الأمهات

​"أبو محمد" (50 عاماً - مزارع من مديرية ضوران آنس بمحافظة ذمار) قال:
​"لم يكن ابني البكر يملك سوى أحلام بسيطة حول زراعته ومستقبله، أخذوه بغتة بكلمات معسولة وعبر شعارات رنانة، ليعود إلينا محمولاً في صندوق خشبي بارد. 
اليوم، لا أجد ما أقوله لإخوته الصغار حين يسألون عن سبب غيابه، سوى أن آلام القهر تنهش روحي كلما مررت بمقبرة الحي التي تتسع يوماً بعد يوم."

"أم هادي" (45 عاماً - ربة منزل من مديرية قفلة عذر بمحافظة عمران) تقول:
​"القبيلة هنا تنزف حتى الموت. لم يتركوا بيتاً إلا ودخلوه حزناً. يأخذون الصغار والكبار، وحين نرفع أصواتنا بالاحتجاج أو نرفض إرسال أبنائنا، يهددوننا بالويل والثبور. نحن نعيش في سجن كبير، وكل تشييع جديد هو طعنة في قلب كل أم يمنية مظلومة."

"ناجي العزي" (باحث ومحلل سياسي واجتماعي من صعدة - اسم مستعار لدواعٍ أمنية) قال:
​"الاستنزاف الذي تتعرض له ذمار وعمران وصعدة ليس عشوائياً، بل هو سياسة ممنهجة لتفريغ هذه المناطق من طاقاتها الشابة وقواها الحية. تعتمد المليشيا على سياسة التجهيل والتعبئة الطائفية، وحين تشتعل الجبهات تُزج بالقيادات الميدانية والضباط في الصفوف الأمامية لإشعال حماسة العناصر، مما أدى إلى تصاعد نوعي وهائل في أعداد القتلى من مختلف الرتب العسكرية."

​الستار المظلم .. بين قسوة الميدان وقمع الأصوات

​لا تقتصر المأساة على حجم النعوش المتلاحقة، بل تمتد إلى القمع الممنهج لأي صوت يجرؤ على التساؤل أو التململ. فعندما حاول الأهالي في تلك المحافظات التعبير عن غضبهم أو الاحتفال بمناسباتهم الوطنية الخالصة كتعبير رمزي عن رفضهم لهذا العبث، قوبلوا بحملات اعتقالات وملاحقات واسعة.
إن المليشيا الحوثية ، وهي تواجه هذا الاستنزاف غير المسبوق، تحاول بكل قوتها فرض طوق أمني مشدد لإسكات صرخات الجياع والمفجوعين.

​خاتمة:
متى تنطفئ نار المحرقة؟
​على أطراف ذمار وعمران وصعدة، تظل الحكايات معلقة بين أمل واهٍ وخيم ظلام ثقيلة. تتكاثر القبور وتتوسع رقعتها، وتتكدس حكايات الأيتام والارامل على أرصفة النسيان. ومع إصرار المليشيا على إدارة ظهرها لصوت العقل والسلام، يبقى السؤال المؤلم معلقاً في سماء اليمن الحزينة: كم من الأرواح والقرابين تحتاج هذه المحافظات لتدرك أن لا منتصر في حروب الدم، وأن ثمن البقاء لا ينبغي أن يدفعه الأبناء على مذبح الأطماع الفردية والسلطوية؟