تعز المدينة .. ذاكرة الحرب التي لم يتعلم منها الخوثيون الى الان!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

واضح أن الحوثيين لم يكتفوا بكل ما جرى لهم في مدينة تعز  سنة 2015 ولم تمنحهم سنوات الحرب الطويلة في شوارعها وفي ازقتها وحواريها ؛ مايكفي من الحكمة لمراجعة حساباتهم تجاه مدينة لا تشبه بقية المدن التي يمكن إخضاعها بمجرد تطويقها وحصارها أو إخافتها بالقصف، أو التسلل إلى أحيائها من أكثر من اتجاه. وكأن حرب الشوارع التي شهدتها مدينة تعز معهم في السنوات التي مضت لم تترك خلفها ما يستحق أن يتوقفوا عنده طويلًا..
بل يبدو انهم مازالوا يتعاملون مع المدينة الى الان باعتبارها جغرافيا محاصرة، بينما يتعامل أبناء تعز مع مدينتهم  باعتبارها مدينة حضرية مقدسة لا يجوز التفريط بها او تحويلها باي حال  الى مساحة خاضعة لسلطة مليشاوية كهنوتية سلالية تدعي وهم الاصطفاء العرقي والالهي وتعيش خارج العصر .

كيف انتهت مواجهات الشوط الاول في مدينة تعز ؟

في عام 2015  لم تكن الطريق إلى مدينة تعز محفوفة بالتحديات العسكرية وحدها فقط . وانما كانت البلاد باكملها تتخبط حينذاك في صراعات سياسية حادة بين جميع اطراف المعادلة السياسية وهي البيئة المضطربة التي وفرت للحوثة فرصًا للتقدم والتسلل والتوسع في عموم مديريات المحافظة، والوصول إلى أجزاء من المدينة، مستفيدين من ارتباك المشهد العام ومن تعدد مراكز القرار ؛ وغياب الانسجام الذي كان يغترض به أن يجمع كامل خصومهم في مواجهة واحدة. ومع ذلك لم يكن ما حدث ؛ في الشوط الاول من الحرب ؛ هو الكلمة الأخيرة في حكاية مدينة تعز . فمن قلب ذلك الارتباك نفسه ؛ بدأت حكاية مقاومة مدينة مسالمة لم تكن تملك ترف الاستسلام، ولا ضمانات الانتصار، ولا حتى رفاهية انتظار اي توافق بين خصوم المعادلة السياسية ؛ ولكنها قررت ان تخوض المواجهة المسلحة دفاعا عن نفسها وسكانها وبيوتها واحيائها ؛ في شوط صعب انتقلت مجرياته؛  سريعا ؛ الى حرب طويلة
قاسية، امتدت إلى الشوارع والأحياء والبيوت والاسواق والمدارس
والجامعات ؛ وتحولت فيها المسافات القصيرة بين المنازل ؛ في الحارة الواحدة ؛ إلى مسارح مفتوحة  للمواجهة اليومية الدامية من طاقة الى طاقة . ودفعت المدينة أثمانًا باهظة من أرواح أبنائها ومن ممتلكاتهم ومن طمأنينتهم وغدائهم ؛  فيما كانت البيوت تتداعى،والشوارع تتغير ملامحها ؛ والأحياء السكنية التي عرفت الحياة والضحكات والزيارات تتحول يوما اثر اخر إلى ذاكرة مفتوحة على الخراب. لكن ما لم يستطع ذلك الخراب المهول أن ينتزعه من مدينة تعز في حرب الشوط الاول ؛ كان إرادة أبنائها في استعادة مدينتهم. 
ولم تكن المسألة أن أبناء مدينة تعز لم يخافوا
أو أنهم لم يتعبوا
او لم يتشردوا 
أو أن الحرب لم تترك في نفوسهم الموجوعة ندوبًا عميقة. 
وانما كانت المسألة أنهم، رغم كل الخوف والتعب والخسائر، لم يقبلوا الضيم
ولم يستسلموا 
وظلوا متمسكين بحقهم في أن يعيشوا داخل مدينتهم بامان وسلام ؛ دون أن يُفرض عليهم اي احد حكم السلاح بالقوة حتى تمكنوا اخيرا من فك الحصار ودحر المليشيات الكهنوتية  من كامل مديريات المدينة وصولا الى تحرير معظم مديريات المحافظة من بعد ذلك .

تعز اليوم مش تعز الأمس ياعبده !

هنا تحديدًا تكمن المفارقة التي يتضح  أن عبدالملك الحوثي ومليشياته  لم يستوعبوها كما ينبغي. معتقدين بان الحصار المتعدد الاتجاهات على محافطة تعز قد يفتح لهم طريقا سهلا الى المدينة بما يكفي لان يجعلها تسقط بين ايديهم ثانية ! 
بينما يعرف أهالي وسكان مدينة تعز ؛ وعن  تجربة مباشرة، ماذا يعني أن تصبح مدينتهم ساحة حرب ؟! 
وماذا يعني أن يدفعوا ثمنًا باهضا جديدًا لاستعادة ما ظنت المليشيات الكهنوتية انها قد احكمت السيطرة عليه ؛ دون ان يستوعبوا  بان مدينة تعز التي خاضت شوطها الاول معهم ؛وسط ذلك الانقسام السياسي المربك ؛ كانت قد خرجت من هاذيك التجربة المريرة وهي تعرف أكثر من ذي قبل ؛ ايش هي كلفة غياب وحدة القرار ..  وايش هي خطورة  ترك المدينة لتواجه مصيرها منفردة.
والأهم من ذلك كله هو أن تجربة حرب الشوارع السابقة مع المليشيات الكهنوتية أصبحت في الذاكرة الجمعية لابناء تعز جزءًا صميما من وعي وتاريخ المدينة نفسها . 
ولا يعني هذا عموما بأن مدينة تعز تجاوزت كل خلافاتها
أو أن صفوف القوى المناهضة للحوثيين أصبحت خالية من التباينات. فالمدينة ما زالت تحتاج إلى تنسيق سياسي وعسكري أكثر فاعلية، وإلى معالجة أوجاعها الاقتصادية والخدمية، وإلى حماية المدنيين من مخاطر تجدد الحرب المحتملة.   
لكن الفارق أن تجربة الأمس باتت حاضرة بقوة في حسابات اليوم، وأن أي محاولة مليشياوية لاقتحام المدينة لن تواجه فراغًا في الذاكرة .. بل ستواجه مجتمعًا يعرف، عن تجربة، ما الذي يعنيه أن يخسر إنسانا مدينته ؛ وما الذي يتطلبه الدفاع عنها ؛ خصوصا وانهم قد تعلموا من تجربة حرب الشوط الاول أن الدفاع عن مدينتهم والموت في سبيلها ؛ ليس مجرد معركة على الأرض، بل دفاعا مقدسا  عن حقهم الانساني في الحياة والكرامة والعيش بامان وسلام .

وأما الرهان على أن الحصار سيبدد إرادة السكان ؛ أو أن تعدد الجبهات سيجعل المدينة ترضخ او تنسى ما حدث لها في الماضي ؛ فهو رهان اخجف ويتجاهل طبيعة المجتمع التعزي الذي يقف خلف مدينته الان بكل ما أوتي من قوة وعزيمة وارادة وتعبئة ذهنية جعلتهم يبغضون مجرد ذكر اسم مليشيا الحوثي فما بالك بان تفتح له ابواب العودة اليها من جديد .