جبل صبر .. حصن تعز المستند إلى ذاكرة هزيمة الحوثيين
مع اتساع رقعة المواجهات العسكرية في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، بين قوات الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، يعود جبل صبر جنوبي مدينة تعز إلى واجهة الحسابات الميدانية باعتباره إحدى المناطق التي يصعب إخضاعها بالقوة. يأتي ذلك في ظل ذاكرة المواجهات الدامية التي شهدتها مديرية مشرعة وحدنان في محافظة تعز من منتصف يوليو/ تموز إلى منتصف أغسطس عام 2015، والتي يرصدها تقرير العربي الجديد حين واجه أبناء المنطقة تقدم الحوثيين، وألحقوا بهم خسائر كبيرة، وفق روايات محلية، وسط تحركات حالية لتعزيز الجبهات المحيطة بمدينة تعز والاستعداد للدفاع عن الجبل وقراه.
ولا تقتصر أهمية جبل صبر على موقعه الجغرافي المشرف على أجزاء واسعة من مدينة تعز ومحيطها، بل ترتبط أيضاً بطبيعة المجتمع المحلي الذي نجح في تحويل معرفته بالتضاريس والطرق الجبلية إلى عنصر مؤثر في المعارك.
مشرعة وحدنان
تشكّل معركة مشرعة وحدنان، في عام 2015، واحدة من أبرز المحطات التي يستحضرها أبناء جبل صبر عند الحديث عن المواجهة مع الحوثيين، إذ كانت أول مديرية من مديريات تعز تستعاد السيطرة عليها بالكامل. في تلك الفترة، أسفرت المعارك، بحسب روايات محلية متداولة، عن مقتل ما يقرب من 700 مقاتل من الحوثيين، مقابل مقتل 65 مقاتلاً من أبناء المنطقة.
تحتل رواية معركة مشرعة وحدان مكانة بارزة في الذاكرة المحلية، بوصفها نموذجاً لمقاومة قوة عسكرية منظمة
وتحتل رواية المعركة مكانة بارزة في الذاكرة المحلية، بوصفها نموذجاً لمقاومة قوة عسكرية منظمة بإمكانات محدودة وذاتية، اعتماداً على التعبئة الشعبية ومعرفة الأرض والإصرار على منع سقوط المنطقة. كما يتحدث أبناء المنطقة عن اعترافات قيادات من الحوثيين بشأن صعوبة المعركة.
مجتمع يتحول إلى قوة مقاومة
من أبرز السمات التي يركز عليها أبناء جبل صبر عند استعادة معركة مشرعة وحدنان طبيعة المشاركين في القتال. فبحسب روايات محلية، كان معظم المدافعين عن المنطقة طلاباً جامعيين ومهندسين وأطباء ومحاسبين ورجال قانون، إلى جانب فئات اجتماعية مختلفة. ويمنح هذا الجانب المعركة بعداً يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، إلى قدرة المجتمعات المحلية على تنظيم نفسها في ظروف الحرب. ويرى أبناء جبل صبر أن التعليم ساعد عدداً من المقاتلين على استيعاب الخبرات التي نقلها إليهم أصحاب التجربة العسكرية، وعلى التعامل مع المتغيرات الميدانية بسرعة. في التصعيد العسكري الحالي بحافظة تعز، تشير مصادر محلية إلى أن أبناء جبل صبر يستعيدون تجربة مشرعة وحدنان بالتزامن مع الضربات التي تلقاها الحوثيون خلال الأيام الماضية، عبر كمائن في منطقتي طالوق والصراري، في نطاق جبل صبر، إلى جانب منطقة المسراخ جنوب الجبل. ويُنظر إلى أن هذه المواجهات تعزز الاعتقاد بأن التقدم نحو جبل صبر لن يكون عملية سهلة.
قضايا وناس
جبل صبر... ملك يحمي مدينة تعز ويحتضنها
وتكمن حساسية الجبل في موقعه ضمن شبكة من المرتفعات والطرق التي تربط مناطق عدة في ريف تعز ومحيط المدينة. ولذلك، فإن أي تحرك عسكري باتجاهه لا ينفصل عن وضع الجبهات المحيطة، ولا سيما جبهات جبل هان غرب مدينة تعز، والشقب الواقعة على المنحدر الجبلي المتسلسل من جبل صبر من ناحية الشرق، والأقروض في المسراخ. وبحسب التصور الذي يتبناه أبناء المنطقة، فإن الدفاع عن جبل صبر لا يبدأ عند مداخله أو حدود مديرياته، بل يرتبط باستمرار صمود الجبهات المحيطة بتعز ومنع انتقال المواجهات إلى نطاق أوسع. ويشير هذا الترابط إلى أن أي محاولة لتغيير موازين القوى في محيط تعز قد تكون لها انعكاسات على المناطق الجبلية، والعكس صحيح.
استعدادات للدفاع
في مواجهة احتمالات اتساع المعارك، يتحدث أبناء جبل صبر عن استعدادات محلية تقودها شخصيات اجتماعية وعسكرية، من بينها قائد المقاومة الشيخ محمد المحمودي، والذي يحمل رتبة لواء ويشغل منصب وكيل وزارة الداخلية في الحكومة المعترف بها دولياً، بهدف تعزيز القدرة على الدفاع عن المنطقة، ودعم الجبهات القائمة. وتتركز هذه الاستعدادات، وفق ما يطرحه أبناء المنطقة، على محورين رئيسيين: إسناد الجبهات المحيطة بتعز، والاستعداد الشعبي لمنع انتقال المواجهات إلى جبل صبر، ولا سيما مديرية مشرعة وحدنان. ويجري الحديث أيضاً عن تفعيل لجان أمنية في مداخل المديرية والقرى، بهدف منع الاختراقات الأمنية. وتشمل الأولويات المعلنة كذلك مساندة الجبهات المحيطة، وفي مقدمتها جبل هان والشقب والأقروض وغيرها من مواقع القتال في محيط تعز. لكن نجاح هذه الاستعدادات يرتبط أيضاً بطبيعة التنسيق مع المؤسسات العسكرية والأمنية، ووضوح المسؤوليات، ومنع تحوّل المبادرات المحلية إلى تشكيلات غير منضبطة. كما تظل حماية السكان، وتأمين الممرات المدنية، ومنع استهداف المناطق السكنية، اعتبارات أساسية في أي ترتيبات دفاعية.
لماذا يصعب إخضاع جبل صبر عسكرياً؟
تستند تقديرات محلية بشأن صعوبة سيطرة الحوثيين على جبل صبر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها التضاريس الجبلية، والتجربة القتالية التي راكمتها المقاومة المحلية، إلى جانب الذاكرة الجمعية لمعركة مشرعة وحدنان، فضلاً عن الروابط الاجتماعية التي تمنح الدفاع عن القرى والمنازل طابعاً جماعياً. يضاف إلى ذلك أن المقاتلين الذين شاركوا في سنوات الحرب، أو اكتسبوا خبرات خلالها، باتوا أكثر معرفة بطبيعة المواجهات ومخاطرها.