بين تعز والحديدة.. الانسانية تفضح ازدواجية المعايير الدولية

بين تعز والحديدة.. الانسانية تفضح ازدواجية المعايير الدولية
مشاركة الخبر:

ما نشهده اليوم من احداث مأساوية في تعز، يؤكد للجميع حجم التناقض والازدواجية الاممية والدولية في التعامل مع القضايا الانسانية عربيا.
في بلادنا اليمن يتجسد ذاك في نموذجان متناقضان لكيفية تعامل المجتمع الدولي مع حصار المدن.. ففي الحديدة 2018، استنفر العالم انسانيا واوقف تحريرها، وفي تعز منذ 2015 حتى اليوم، يصمت العالم رغم انها تشكل اكبر ازمة انسانية يمنيا وعربيا واسلاميا ودوليا.

منع تحرير الحديدة بحجة انسانية

في العام 2018 تحرك العالم وضجت اروقة الامم المتحدة بالحركة الدبلوماسية لمنع تحريرها من الاحتلال الايراني بحجة انها ستشكل ازمة انسانية نظرا لحجم السكان في مدينة الحديدة مركز المحافظة الواقعة على البحر الاحمر ذو الاهمية الاستراتيجية لحركة الملاحة.
ففي يونيو  2018، مع إطلاق عملية "النصر الذهبي" لتحرير الحديدة ومينائها من قبل القوات الحكومية بدعم التحالف، تحولت الأمم المتحدة ومنظماتها إلى خلية أزمة لوقفها بذريعة انسانية.
حذر حينها الامين العام للأمم المتحدة آنذاك أنطونيو غوتيريش حذر من "كارثة إنسانية".. فيما قطع مبعوثه الخاص لليمن حينها، مارتن غريفيث زيارته وقاد وساطة عاجلة.
من جانبه برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة واليونيسف أصدروا بيانات يومية تحذر من مجاعة بسبب إغلاق الميناء.. والاكثر من ذلك عقد مجلس الامن الدولي 4 جلسات طارئة خلال شهر واحد.
نتج عن ذلك اتفاق ستوكهولم المشؤوم في ديسمبر 2018، الذي جمد المعركة وأبقى الميناء تحت سيطرة الحوثيين بحجة حماية العمل الإنساني، رغم أن 80% من إيرادات الميناء لم تورد للبنك المركزي حسب تقرير فريق الخبراء الأممي 2020، بل استخدمت للمجهود الحربي للذراع الايرانية التي استخدمتها ضد الابرياء اليمنيين والملاحة الدولية.
حينها وفقا للتقارير كان المبرر"الحديدة شريان حياة لـ 22 مليون يمني"، وهي الذريعة التي سوقتها جماعة الحوثي وشبكة ايران الدبلوماسية والنشطاء المنتشرين في مناطق عدة بالعالم.

تعز .. النموذج المناقض للحديدة
بالنظر الى ما تشهده مدينة تعز التي تضم في جنباتها اكبر كتلة سكانية تفوق ما تضمه مدينة الحديدة بثلاثة اضعاف، نجد انه منذ العام 2015 والعالم يصمت أزمتها الانسانية المتفاقمة حتى اليوم.
تعز المدينة الأكثر كثافة سكانية في اليمن (أكثر من 3 مليون نسمة)، تعيش حصاراً حوثياً خانقاً منذ أغسطس 2015، يعد الأطول في تاريخ الحروب الحديثة عالميا.
في تعز تغلق المنافذ الرئيسية من قبل مليشيا الحوثي ذراع ايران الارهابية، وهي اربعة منافذ حياة " منفذ الحوبان شرقاً، ومنفذ حذران والضباب غرباً، ومنفذ الستين شمالاً، والمنفذ الجنوبي". لم يترك إلا طريق واحد وعر عبر جبل صبر - الأقروض - هيجة العبد، يستغرق 6-8 ساعات بدل 15 دقيقة، وتتعرض فيه الشاحنات للقصف والابتزاز.
في تعز يمنع الغذاء والدواء والماء، عن قرابة ثلاثة ملايين نسمة بينهم نازحين من الحديدة، وفقا لتقارير حقوقية محلية ودولية، التي منع دخول أسطوانات الأكسجين وأدوية الفشل الكلوي والسرطان، فيما منع مصنع الألبان ومصنع السمن والصابون في الحوبان من إيصال منتجاته للمدينة.
والاخطر من ذلك كله، حرب المياه التي تخوضها مليشيا الحوثي ضد المدنيين الابرياء المحاصرين داخل المدينة، فمحطة المياه الرئيسية للمدينة تقع في الحوبان تحت سيطرة الجماعة التي تمارس من خلالها خربا قذرة بقطعها المياه عن أحياء المدينة لأسابيع، مما يضطر السكان لشراء صهاريج بأسعار خيالية (سعر الصهريج 30 ألف ريال).
ومن الاساليب التي تستخدمها مليشيا ايران ضد المدنيين المحاصرين في تعز، القصف العشوائي لاحياء المدينة بشكل شبه يومي، وكذا عمليات القنص، فمكتب حقوق الانسان بتعز أحصى أكثر من 4,200 مدني سقطوا بين قتيل وجريح بقذائف الهاون والصواريخ منذ 2015، بينهم 700 طفل، معظمهم في أحياء سكنية مثل الروضة وعصيفرة وبير باشا.

لماذا هذا الصمت الدولي؟
يرى محللين ان المجتمع الدولي تعامل في الحديدة بورقة الميناء كمدخل لازمة انسانية، بمعنى انه  تعامل مع الحديدة كملف إنساني- لوجستي يهدد التجارة العالمية في البحر الأحمر، بينما تعز ملف سياسي داخلي لا يهدد الملاحة، لذا لا ضغط دولي حقيقي.
ورغم ذلك تم استخدام الحديدة وموانئها من قبل ايران وذراعها ورقة ابتزاز للمجتمع الدولي من خلال تهديد الملاحة الدولية في البحر الاحمر واستهداف سفن التجارة من نوفمبر  2023 وحتى اليوم، فيما تعز ظلت تناضل لحماية الملاحة واستقرار المنطقة.
ومما يجدر الاشارة اليه ان اتفاق ستوكهولم المشؤوم، نص في البند الثاني على "تفاهمات حول تعز" لفتح الممرات الإنسانية، لكن المبعوث غريفيث تجاهلها تماماً وركز فقط على الحديدة، ما دفع الحوثيون الستخدام ذلك لتثبيت حصار تعز كأمر واقع مقابل بقائهم في الحديدة.
في الحديدة حضر الاعلام الدولي والمنظات الدولية والكاميرات واصدروا عشرات التقارير، بينما تعز جبلية ومحاصرة ويصعب وصول الصحفيين الأجانب إليها، مما قلل التغطية.
تعز اكتفى ذكرها في تقرير فريق الخبراء المعني باليمن التابع لمجلس الامن الدولي لعام 2022، والذي اكد ان الحوثيين يستخدمون الحصار كسلاح حرب في تعز، ويفرضون ضرائب غير قانونية على الشاحنات تصل إلى 10 آلاف دولار على الشاحنة الواحدة في منفذ الأقروض.

معيار المصالح الدولي 
ان المأساة في اليمن ليست في الحصار فقط، بل في معيار التعامل معه. عندما كان التقدم نحو الحديدة يهدد مصالح الحوثيين، قيل "لا لتجويع اليمنيين". وعندما يجوع أبناء تعز منذ 9 سنوات بفعل الحوثيين، يقال "الوضع معقد وندعو جميع الأطراف لضبط النفس".
تعز حاليا لا تطلب تدخلاً عسكرياً، تطلب فقط تطبيق ما طُبق للحديدة: إدانة واضحة للمحاصر، وضغط حقيقي لفتح طريق إنساني آمن، ومعاقبة من يستخدم الغذاء والدواء والماء سلاحاً لقتلهم.