مفارقات الشعارات ودموية الحصار .. تعز في ميزان المتاجرة السياسية وصمت الشرعية

مفارقات الشعارات ودموية الحصار .. تعز في ميزان المتاجرة السياسية وصمت الشرعية
مشاركة الخبر:

​تتلاحق المشاهد وتتراكم المفارقات الصارخة في المشهد اليمني، حيث ترتفع أصوات الشعارات البراقة من ميدان السبعين وغيره من معاقل المليشيا الحوثية، متغنية بفك الحصار عن قطاع غزة، بينما تتولى ذات الأيادي والآلات العسكرية تشديد الخناق وفرض الحصار المطبق على مدينة تعز اليمنية للعام العاشر على التوالي.
إنها ازدواجية معيارية ومتاجرة مكشوفة بقضايا الأمة العادلة، تتطابق مع قوله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. وفي خضم هذه المأساة، يتسع نطاق التساؤل الشعبي والوطني حول صمت مريب ومخزي من قبل مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، ومجلس النواب، وكأنهم يعيشون في غياب تام عن وعي المخاطر الوجودية التي تهدد الوطن، متناسيين حقيقة أن سقوط تعز -لا قدر الله- سيعني سقوطاً جماعياً لكل رموز الشرعية ومؤسساتها، بغض النظر عن تواجدهم خلف الحدود أو في الشتات. 
هذا الاستطلاع الصحفي يسلط الضوء على أبعاد هذه المفارقة وانعكاساتها السياسية والوطنية والشعبية.

​ أبعاد المتاجرة بالقضية الفلسطينية وحصار الداخل

​د. عبد الله المذحجي (الشخصية السياسية والإدارية والباحث في الشأن اليمني) قال: ​"إن التناقض الصارخ الذي تمارسه الميليشيات الحوثية برفع شعارات نصرة غزة وفي نفس الوقت مواصلة حصار تعز وقصف أحيائها، يكشف بوضوح أن الخطاب الموجه للخارج ليس سوى غطاء أيديولوجي ودعائي لتبرير السيطرة والهيمنة الداخلية. إن الحصار جريمة إنسانية لا يمكن غسلها بالشعارات، ومن يوظف مأساة غزة سياسياً وإعلامياً بينما يعمد إلى تجويع ملايين اليمنيين في تعز يفقد أي مصداقية أخلاقية أو وطنية."

إرادة الصمود في وجه الازدواجية

​عمار اليوسفي (الناشط الشبابي والقيادي الكشفي) قال:
​"الشارع في تعز وكل المحافظات الحرة يدرك تماماً زيف هذه الشعارات. كيف يمكن لشخص سوي أن يصدق دعوات فك الحصار عن غزة بينما تقفل المعابر وتزرع الألغام أمام لقمة عيش المواطن الدوائي والغدائي في تعز؟
لقد أثبت أبناء تعز أن الإرادة الشعبية أصلب من الحصار، لكن الألم الأكبر يكمن في خذلان من انتظرنا منهم نصرة الحقيقة."

صوت الأمهات وأوجاع الحصار المزدوج

​أروى العبسي (الأكاديمية والناشطة النسوية) قالت:
​"الأمهات في تعز يعانين الأمرين؛ مرارة الحصار اليومي وقطع الطرقات، ومرارة مشاهدة قضايا الأمة الكبرى كقضية فلسطين تُختزل في خطب تعبوية تزيد من معاناة الضحايا في الداخل. الحصار ليس مجرد جدران خرسانية، بل هو قتل بطيء وممنهج للمستقبل، وتناقض الخطاب الحوثي يفضح هشاشة تبريراتهم أمام نساء وأطفال يعانون ويلات القصف والحرمان."

خطر السقوط ووحدة المصير

​اللواء الركن/ منصور الزريقي (القيادي العسكري البارز) قال:
​" تعز تمثل الصخرة التي تتحطم عليها أحلام المشروع الإمامي الطائفي. المعركة هنا ليست محلية فحسب، بل هي معركة الجمهورية والهوية اليمنية برمتها. إن السكوت على استمرار الحصار، أو التعامل معه باسترخاء، هو انتحار استراتيجي. فإذا سقطت تعز -لا قدر الله- فلن تنجو أي سلطة أو كيان سياسي، بغض النظر عن موقعه الجغرافي أو تواجده خارج الحدود، لأن تعز هي خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني."

تكلفة الحصار والتلاعب بمعيشة المواطن

​محمد عبد الرحمن الشيباني (رجل الأعمال والكاتب الاقتصادي) قال: ​"اقتصادياً، تسبب الحصار المفروض على تعز في تدمير سلاسل الإمداد ومضاعفة تكاليف النقل والمعيشة على المواطن البسيط بشكل جنوني، بينما تستمر مليشيا الحوثي في فرض الجبايات وتحويل المعابر إلى بوابات ابتزاز. 
إن استغلال العواطف الدينية والقومية للناس عبر شعارات غزة بينما يتم خنق الاقتصاد اليمني الداخلي هو امتداد لسياسة الإفقار المتعمد."

الصحافة وضمير الأمة الغائب

​نبيل الحسام (الكاتب الصحفي والمؤرخ) قال: ​"المشهد الصحفي والثقافي يعيش حالة من الاستنكار الشديد لصمت مؤسسات الدولة الرسمية؛ مجلس القيادة، والحكومة، ومجلس النواب. يبدو هؤلاء كمن أصابهم الصمم والبكم السياسي، غير معترفين بأن تقاعسهم عن فك حصار تعز ودعم مقاومتها هو تفريط بوجودهم الشرعي والسياسي. إن التاريخ لن يرحم المتقاعسين، وتعز ستظل صامدة رغم كيد الحصار ومتاجرة المتاجرين."

​الخاتمة
​ الحصار المفروض على تعز يظل وصمة عار في جبين كل من يمارس أو يبرر أو يصمت عن هذه الجريمة الإنسانية، وإن رفع شعارات نصرة غزة من قلب ميدان السبعين بينما تحاصر تعز بأطنان الألغام والحديد والنار ليس سوى مفارقة تفضح زيف الادعاءات وانكشاف الأقنعة.
إن استمرار هذا التخاذل الرسمي من قبل مؤسسات الشرعية يضع الجميع أمام اختبار تاريخي لا يحتمل القسمة على اثنين.