صنعاء.. مدينة تختنق بالدم

صنعاء.. مدينة تختنق بالدم
مشاركة الخبر:

لا تعود صنعاء اليوم تلك العاصمة التي كانت تنام على صوت الأذان وتستيقظ على عبق البنّ اليمني، بل باتت تتقلب على جراحها وتغرق في بحر من الجرائم اليومية التي لا تنتهي، في مشهد يلخص انهياراً مروعاً للمنظومة الأمنية والاجتماعية تحت سطوة ميليشيا الحوثي.

خلال شهر يوليو فقط، تحولت العاصمة الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى مسرح دموي لجملة من الجرائم الوحشية، لم تكن لتقع بهذا الشكل المتسلسل والمنفلت لولا هشاشة النظام الأمني، وانشغال سلطات الأمر الواقع بتثبيت نفوذها القمعي وملاحقة الخصوم السياسيين، على حساب أرواح المدنيين وأمنهم.

انهيار الأمن.. وصعود الجريمة

ما جرى ويجري في شوارع وأحياء صنعاء ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو انعكاس مباشر لانهيار دولة ومؤسسات كانت – رغم قصورها – تشكل صمام أمان للمجتمع. اليوم، تتصدر الجرائم الدموية عناوين الأخبار، وتغيب المحاسبة، بل تكاد تختفي السلطات القضائية والأمنية من مشهد كان يفترض أن تكون هي عموده الفقري.

في حي شيراتون، مثلاً، لم يكن المسن الحاج قاسم ملهي يعلم أن ذهابه لأداء صلاة العشاء سيكون آخر خروج له من منزله، فقد ترصده طليق ابنته، وغافله بطعنات قاتلة في خاصرته وعينيه ورقبته، قبل أن يذبحه بدم بارد على خلفية خلافات أسرية. ولم تجد أسرته بعد ذلك سوى دمائه تغرق الأرض، والجاني يلوذ بالفرار كما لو أنه في مدينة بلا قانون.

أما الشاب أحمد منصور السلطان، فقصته تنتمي لعالم الجريمة المنظمة، لا إلى حياة مدنية. أصدقاؤه، الذين وثق بهم، استدرجوه، ثم قتلوه بوحشية، فصلوا رأسه عن جسده، ودفنوا أوصاله في مناطق متفرقة. الرواية الأمنية تشير إلى "دافع السرقة"، لكن الحقيقة الأوضح أن الدافع الأكبر هو غياب الرادع وانعدام الدولة.

أطفال ونساء.. ضحايا بلا حماية

الدم في صنعاء لم يميز بين كبير وصغير، ذكر أو أنثى، فالموت بات متاحاً للجميع. في جريمة تقشعر لها الأبدان، تم قتل الشاب أمجد الهمداني على يد صديقه المقرب، الذي استدرجه ثم أطلق عليه رصاصة في صدره، وألقى بجثته في مكب نفايات، كأن روح الإنسان باتت تُستباح بلا قيمة.

وفي حادثة أخرى، قطع الجاني فتاة إلى أشلاء ووزع جسدها في مجاري الصرف الصحي وبيت مهجور، بعد أن وعد زوجها السجين بمساعدة مالية. ثم كانت الكارثة الأكبر حين عُثر على طفلة مقطعة الأوصال داخل كيس، بعد أن جاب كلب إحدى قدميها في الشارع، كاشفاً للرأي العام حجم الكارثة الأخلاقية والأمنية التي تعيشها صنعاء.

الفقر.. الوقود الخفي للجريمة

لا يمكن قراءة هذا الانفلات الدموي بعيداً عن الحالة المعيشية المتدهورة. تسعة أعوام من انقطاع الرواتب، وتوسع رقعة الفقر، وانتشار المخدرات، وتفشي البطالة، كلها أسباب عمّقت من السلوك الإجرامي، وساعدت في نمو عصابات منظمة تتاجر بالبشر والسلاح والمخدرات، دون رقيب أو حسيب.

في ظل هذه الفوضى، لم تعلن ميليشيا الحوثي أي إجراءات فاعلة لحماية المواطنين، بل تتعامل مع القضايا ببرود أمني وإعلامي، وترفض تحمل مسؤولياتها، بل وتستخدم الجهاز الأمني في ملاحقة الصحفيين والمعارضين، بدلًا من ملاحقة القتلة واللصوص.

صنعاء في مهب السكين

إن استمرار هذا المسار يعني أن العاصمة اليمنية على موعد مع مزيد من الدم، ومزيد من الانهيار الأخلاقي، ما لم يُكسر حاجز الصمت الداخلي والدولي تجاه هذا التردي المرعب. فحين تتحول الجريمة إلى سلوك يومي، ويغدو القاتل بطلاً في مجتمع مغيّب عن الوعي والعدالة، يصبح من العبث الحديث عن استقرار أو دولة أو حتى مجتمع.

صنعاء تنزف، والمجتمع يختنق.. فهل من مستجيب؟