تحذير أمريكي: سياسات واشنطن المرتبكة تمنح الحوثيين مساحة للتوسع الإقليمي
حذّر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى من أن جماعة الحوثي باتت اليوم تمثل تهديدًا أعظم للمصالح الأمريكية والخليجية مما كانت عليه قبل حرب غزة، مشددًا على أن السياسات الأمريكية المتخبطة تجاه اليمن قد تمنح الجماعة مساحة أكبر للتوسع والتمدد إقليميًا.
وفي تحليل أعدته الباحثة أبريل لونجلي، دعا المعهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تبني نهج أكثر شمولاً وفعالية، بالتنسيق مع شركائها في الخليج، قبل أن تتحول الأزمة اليمنية إلى بؤرة تهديد أوسع للأمن الإقليمي والدولي.
سياسة أمريكية مرتبكة
أوضح التحليل أن السياسة الأمريكية تجاه اليمن تعيش حالة من التخبط، مشيرًا إلى أن الحملة العسكرية الأمريكية التي أطلقتها إدارة ترامب في مارس الماضي ضد الحوثيين سرعان ما توقفت في مايو، رغم تكلفتها العالية وإظهارها قدرًا من الحزم في البداية.
وأضاف أن هذا الانسحاب المفاجئ عزز الانطباعات السائدة في السعودية والإمارات حول عدم موثوقية الموقف الأمريكي وتقلب سياساته، وهو ما أتاح للحوثيين فرصة إعادة تنظيم صفوفهم وتقديم بقائهم أمام الهجوم الأمريكي باعتباره "انتصارًا".
وذكر المعهد أن رغبة واشنطن في الابتعاد عن اليمن "مفهومة لكنها قصيرة النظر"، محذرًا من أن الحوثيين "لم ينتهوا بعد من الولايات المتحدة أو حلفائها"، بل إنهم يستغلون هذا الفراغ لمراكمة القوة والشرعية الإقليمية.
تحولات السياسة الأمريكية
تطرق التحليل إلى تطورات النهج الأمريكي في التعامل مع الملف اليمني خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن إدارة بايدن ركزت بدايةً على الحلول الدبلوماسية ورفعت اسم الحوثيين من قائمة الإرهاب لتسهيل جهود الوساطة.
لكن الأوضاع تغيّرت مع تصعيد الحوثيين ضد الملاحة التجارية في البحر الأحمر نهاية 2023 بذريعة دعم غزة، ما دفع واشنطن إلى إعادة إدراج الجماعة على قوائم الإرهاب واستئناف بيع الأسلحة الهجومية للرياض، فضلًا عن تنفيذ ضربات محدودة ضد أهداف عسكرية في اليمن.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أعادت الإدارة في مارس الماضي تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وأطلقت عملية "الفارس الصلد" الجوية المكثفة، قبل أن تتوقف سريعًا، في خطوة اعتبرها المعهد دليلاً على ارتباك الرؤية الاستراتيجية.
تحديات أكثر تعقيدًا
أشار التقرير إلى أن الحوثيين انتقلوا من كونهم حركة متمركزة في اليمن إلى فاعل يسعى إلى تعزيز نفوذه الإقليمي على المدى البعيد.
ولفت إلى أن الجماعة لم تكتف بتهديد الملاحة في البحر الأحمر، حيث يمر 12% من التجارة العالمية، بل أثبتت قدرتها على استهداف إسرائيل على بعد أكثر من ألفي كيلومتر، ما منحها شعبية إقليمية، ومزيدًا من المجندين، وخبرة عسكرية ثمينة.
كما كشف التحليل عن توسع علاقات الحوثيين مع جماعات متطرفة مثل حركة الشباب الصومالية، وتنامي تعاونهم مع روسيا والصين، حيث باتت سفن موسكو وبكين تمر غالبًا دون مضايقة في البحر الأحمر، إضافة إلى تقارير عن وجود مستشارين روس في الحديدة.
وأفاد بأن الجماعة نجحت أيضًا في تطوير تصنيعها المحلي للأسلحة وتوسيع شبكات إمدادها بالمكونات من مصادر بديلة، بينها الصين، مما يقلل تدريجيًا من اعتمادها على إيران.
تهديد مباشر للخليج
اعتبر المعهد أن التهديد الحوثي المتصاعد يمثل خطورة خاصة على السعودية، التي تقود مشاريع تحول اقتصادي واجتماعي طموحة.
وأوضح أن الحوثيين يدركون رغبة الرياض في تجنب الحرب، ويستغلون ذلك لزيادة مطالبهم، فيما يخشى اليمنيون المناهضون للجماعة من أن المملكة قد تتردد في استخدام قوتها الجوية لحماية جبهات القتال، خاصة في مأرب والساحل الغربي.
وأضاف أن قدرات الحوثيين وطموحاتهم تشكل تهديدًا مباشرًا للأهداف الأمريكية في المنطقة، وفي مقدمتها دعم استقرار دول الخليج وتعزيز التكامل الإقليمي.
توصيات للسياسة الأمريكية
أكد التحليل أن النهج الأمريكي الحالي "غير مجدٍ"، ودعا إلى تبني سياسة أكثر شمولًا بالتنسيق مع الخليج، تقوم على مجموعة خطوات عملية أبرزها:
دعم القوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية بما يكفي للحفاظ على خطوط المواجهة وشن هجمات مضادة، مع استمرار الغطاء الجوي للتحالف بقيادة السعودية.
تقديم ضمانات أمنية واضحة للرياض وأبوظبي، من خلال صفقات تسليح إضافية وتدريبات مشتركة، مع الالتزام بالدفاع عنهما في حال تعرضهما لهجوم حوثي.
دعم إصلاح الحكومة اليمنية عبر توحيد جهود السعودية والإمارات خلف رؤية استراتيجية مشتركة، نظرًا لانقسامات القوى اليمنية وتباطؤ الإصلاحات.
تعزيز الجهود لوقف تدفقات الأسلحة والأموال إلى الحوثيين، بالتعاون مع عمان والإمارات ودول أخرى معنية بالبحر الأحمر.
إعادة إطلاق مسار سياسي يفتح الطريق أمام تسوية شاملة تتضمن حزمة لإعادة الإعمار والتنمية بدعم خليجي.
وأشار المعهد إلى أن نجاح هذه الخطوات مرهون أيضًا بوقف الضربات الإسرائيلية المنفردة التي تعقد الوضع في اليمن وتضعف فرص بناء موقف موحد.
فرصة لإعادة بناء الثقة
اختتم التحليل بالتأكيد على أن التعامل مع الملف اليمني بجدية يوفر فرصة مهمة لواشنطن وشركائها الخليجيين لإعادة بناء الثقة وتعزيز التعاون الأمني، في ظل تنامي الشكوك حول الموقف الأمريكي وتزايد التوترات الإقليمية.