تهريب المعادن والأحجار الكريمة.. نزيف اقتصادي ينهك اليمن وسط غياب الدولة

تهريب المعادن والأحجار الكريمة.. نزيف اقتصادي ينهك اليمن وسط غياب الدولة
مشاركة الخبر:

يؤكد الخبير الاقتصادي فارس النجار أن اليمن يخسر سنوياً ما بين 100 مليون و250 مليون دولار جراء عمليات تهريب المعادن والأحجار الكريمة، وهو رقم لا يمكن اعتباره مجرد إحصائية عابرة، بل جرس إنذار على حجم النزيف المستمر الذي ينهك اقتصاد بلد يعيش حرباً منذ نحو عقد.

المفارقة، كما يشير مراقبون، أن اليمن ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل بما يتعرض له من نهب منظم، حيث تشمل عمليات التهريب معادن وأحجاراً ثمينة مثل العقيق، الكوارتز، الإيولايت، الجاد (اليشم)، الذهب والنحاس، وجميعها تُستخرج وتباع بعيداً عن أي رقابة حكومية أو إطار قانوني.

في تحقيق استقصائي لـ"الجزيرة نت" كشف عن وجود شبكات تهريب منظمة تضم رجال أعمال وقيادات قبلية وسياسية، تدير عمليات واسعة لتحويل ثروات البلاد إلى مكاسب شخصية، بينما يظل المواطن العادي عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجاته في ظل انهيار اقتصادي ومعيشي خانق.

مسارات التهريب وأساليبه

تتم عمليات التهريب انطلاقاً من مناجم بدائية في محافظات شبوة وأبين ولحج والبيضاء، لتنتقل الشحنات لاحقاً إلى الموانئ والمنافذ البرية. وتعتمد الشبكات طرقاً متنوعة، أبرزها استخدام وثائق مزورة وحماية قوى نافذة، فيما تُنقل بعض الشحنات على أنها مواشٍ وخضروات في شاحنات اعتيادية، في حين تُهرّب كميات من الرمال السوداء –المستخدمة في الصناعات المتقدمة– عبر منفذ الشحن الحدودي مع سلطنة عُمان.

طلب خارجي متزايد

وتشير شهادات وسطاء إلى أن بعض الأحجار، مثل الإيولايت والجاد، تحظى بطلب مرتفع في أسواق الصين وتايلند وسريلانكا، وهو ما يضاعف من نشاط التهريب ويمنح المهربين قنوات تصريف آمنة وسريعة. وفي المقابل، تُحوّل قيمة الصفقات عبر حسابات خارجية، بينما تُدفع الأموال محلياً بالريال اليمني، ما يحرم الاقتصاد الوطني من تدفق العملات الصعبة في وقت هو بأمسّ الحاجة إليها.

خسائر تفوق المال

الخبراء يؤكدون أن الخسائر لا تتوقف عند الأرقام المالية الكبيرة، بل تمتد إلى ضياع فرص استثمارية وتنموية كان يمكن أن تُسهم في تحسين حياة السكان، وتوفير وظائف، وتنفيذ مشاريع بنى تحتية. غير أن استمرار الحرب، وغياب الدولة، وانتشار الفساد، وهيمنة القوى المسلحة على المنافذ، جعلت من التهريب جزءاً من اقتصاد الحرب الذي يغذّي نفسه على حساب ثروات البلاد.

بلد غني بموارد.. فقير بالواقع

استمرار هذه الممارسات يعني أن اليمن سيظل بلداً يزخر بالموارد الطبيعية، لكنه يفتقر إلى أبسط مقومات التنمية. فالتهريب لا ينهب ثروات البلاد فقط، بل يسلب معها مستقبل أجيال كاملة. ولذا، يرى محللون أن فتح هذا الملف بجدية، وفرض رقابة على المنافذ، ومحاسبة المتورطين مهما كانت مواقعهم، بات ضرورة ملحّة لوقف نزيف اقتصادي يهدد ما تبقى من كيان الدولة.