اتهامات تكشف عن صفقات صامتة .. ماذا وراء عودة ملف جريمة استهداف مسجد دار الرئاسة اليمنية؟! .. قراءة متأنية في تصريحات مثيرة
لم يكن ظهور القيادي في حزب التجمع اليمني للإصلاح، الدكتور نجيب غانم، في مقابلة مطوّلة عبر منصة “بودكاست عربي بوست” بتاريخ 20 يناير 2026، حدثًا عابرًا، ولا مجرد استدعاء لمرحلة مضطربة من تاريخ اليمن، بل تحوّلت تلك المقابلة، بما حملته من اتهامات صريحة، إلى لحظة كاشفة أعادت فتح واحد من أخطر الملفات التي حاولت قوى سياسية محلية وجهات دولية طمسها لسنوات: جريمة الاعتداء الإرهابي على مسجد دار الرئاسة في 3 يونيو 2011.
المفارقة أن هذا الجدل لم يأتِ من خارج معسكر حزب الإصلاح (جماعة الإخوان المسلمين في اليمن)، كما يحاول أنصاره الترويج، بل خرج من منصة محسوبة عليه، وعلى لسان أحد أبرز قياداته العليا الوازنة. وما إن أُطلقت التصريحات حتى اندفعت حملة منظمة من التخوين والتشويش، لا دفاعًا عن الحقيقة، بل في محاولة لإغلاق باب النقاش الذي فُتح هذه المرة من داخل الحزب نفسه.
ففي المقابلة، وجّه الدكتور نجيب غانم اتهامًا مباشرًا لجماعة الحوثيين بالوقوف خلف التفجير، وهو اتهام لا يمكن التعامل معه كزلة لسان أو تحليل سياسي عابر، بل كإقرار خطير من قيادي رفيع في جماعة متهمة بالتورط، بأن الجريمة لم تكن فعلًا مجهولًا أو عشوائيًا، وإنما عملية إرهابية منظمة نفذتها جماعة مسلحة أخرى (الحوثيون)، هي نفسها التي اغتالت الرئيس علي عبدالله صالح علنًا في ديسمبر 2017.
غير أن السؤال الجوهري الذي لم يُجب عليه غانم، ولم يجرؤ أنصار الحزب على الاقتراب منه، يظل قائمًا: كيف يمكن لحزب الإصلاح أن يتهم الحوثيين بجريمة إرهابية بهذا الحجم، بينما هو نفسه أبرم معهم لاحقًا صفقة سرية عام 2019 لتبادل متهمين في القضية ذاتها، بل وممن ينتمون إلى صفوفه؟
إن الوقائع الموثقة تشير بوضوح إلى أنه في عام 2019 جرى تهريب وتبادل متهمين على صلة مباشرة بقضية تفجير مسجد دار الرئاسة، كانوا خاضعين للمحاكمة في صنعاء (تحت سلطة الحوثيين)، ضمن اتفاق أمني–سياسي سري بين جماعة الحوثي وحزب الإصلاح في محافظة مأرب. هذه الواقعة لم تكن إشاعة، بل حادثة موثقة، وأثارت حينها إدانة علنية من وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني عبر تغريدة جرى حذفها لاحقًا، دون أن تُفتح أي مساءلة قضائية جادة من الجهات المختصة حول ما جرى أو من يقف خلفه.
هنا تفقد المقابلة أي قيمة تبريرية، وتتحول تلقائيًا إلى دليل إضافي على قيام شراكة سياسية وأمنية سابقة بين حزب الإصلاح وجماعة الحوثي (شركاء ساحات نكبة إسقاط النظام). فالقانون والمنطق لا يسمحان بالجمع بين اتهام طرف بارتكاب جريمة إرهابية، ثم الجلوس معه لاحقًا لعقد صفقة تنتهي بتهريب المتهمين بالجريمة نفسها وتبادلهم. هذا السلوك لا يعبّر عن خصومة، بل عن تقاسم أدوار بين الجماعتين؛ اتهام علني من جهة، وتنسيق سري من جهة أخرى، والنتيجة واحدة: تعطيل العدالة، إغلاق الملف، وتهريب الجناة وإخفاء الأدلة.
إن استهداف مسجد دار الرئاسة لم يكن حادثًا سياسيًا عابرًا، بل جريمة إرهابية مفصلية غيّرت مسار الدولة اليمنية وفتحت الباب أمام دوامة العنف والانهيار المستمر حتى اليوم. وقد أدانها المجتمع الدولي حينها باعتبارها جريمة إرهابية تهدّد السلم والأمن الدوليين، وطالب بالتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن ما تلا الجريمة كان أخطر منها، حين جرى تحويلها من قضية عدالة إلى ورقة تفاوض وصفقات صامتة بين أطرافها، ومن جريمة وطنية إلى عبء سياسي يجب التخلص منه، ولو كان الثمن إفلات المتهمين من العقاب.
أما الغضب الحالي من إعادة فتح الملف، فلا يمكن فصله عن متغيرات اللحظة السياسية. فالقضية باتت اليوم مرتبطة بشخصيات قيادية في الدولة، هم مصابون في ذات الجريمة، وعلى رأسهم الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وطارق صالح، عضو المجلس، وبميزان ثقة سياسي لم يعد مستقرًا. كما أن المزاج الدولي تجاه التنظيمات الإسلامية السياسية قد تغيّر، ولم تعد السرديات القديمة وتبادل الاتهامات تمرّ بسهولة أو تُستهلك كما في السابق. لذلك تبدو محاولة إعادة صياغة الرواية عبر البودكاست محاولة متأخرة لإدارة الذاكرة السياسية، لا بحثًا جادًا عن الحقيقة.
إن جريمة الاعتداء الإرهابي على مسجد دار الرئاسة لا تسقط بالتقادم، ولا تُغلق بالصمت، ولا تُمحى بتبادل الاتهامات وخلط الأوراق بين الشركاء المحليين فيها. فكل من شارك، محليًا أو خارجيًا، في التخطيط أو التنفيذ أو التستر، أو ساعد على تهريب المتهمين أو عرقل مسار العدالة، يظل شريكًا في الجريمة مهما تغيّرت تحالفاته أو خطاباته.
وإذا كان البعض يراهن على تعب اليمنيين والضحايا من فتح الجراح، فإن الحقيقة الثابتة هي أن العدالة المؤجلة لا تموت، بل تعود دائمًا في اللحظة التي يظن فيها المتورطون وداعموهم أنهم تجاوزوها. وما جاءت به هذه المقابلة، من حيث لا تدري، لم يكن دفاعًا عن رواية، بل إعادة فتح لملف جريمة إرهابية غادرة سيظل مفتوحًا حتى تُكشف الحقيقة كاملة، ويُحاسَب جميع المتورطين فيها، دون استثناء.
*ناشط حقوقي دولي ومستشار قانوني – نيويورك