أن تُنفى من أرضك

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

أن تحصل على حماية دولية كلاجئ سياسي لا يعني أنك وجدت الأمان، بل يعني أنك وقّعت رسمياً على وثيقة إعدام لماضيك .. هو إقرار حقيقي وموجع بأن كل ما صنع هويتك قد انتهى، فلا الذكريات ستعود ولا الأصدقاء سيتقاسمون معك الرصيف، ولن تتمكن من عبور أزقة مدينتك القديمة.
فكونك مغترباً بصفة لاجئ ليس مجرد مسافة جغرافية، بل هو بتر قسري للروح عن جسدها الأول، وعندها يتحول الوطن إلى خارطة يُمنع لمسها، وتصبح الذكريات هي العدو والصديق في آن واحد وتبدو الحياة أكثر خشونة وقسوة.

أنا اليوم أعيش بجسدٍ هنا، وقلب معلق هناك في أزقة ضيقة لم أعد أملك حق المشي فيها، سوف أحرم حتى من أن أجلس قرب قبور الراحلين من أهلي لأهمس لهم بأوجاعي، ولن أشتّم رائحة الخبز في زوايا حارتي القديمة، تلك الرائحة التي كانت ترمم انكسارات يومي.
لقد تحولت حياتي إلى ألبوم صور باهتة، وطقوسي البسيطة التي كنت أظنها عادية كشرب القهوة مع جارٍ قديم أو تناول وجبة شعبية في زحام السوق، أصبحت الآن أحلاماً مستحيلة.
هو وجعٌ يفوق الوصف، أن تُنفى من أرضك لأن هناك من باعوها في مزاد المصالح، ليتركوك وحيداً تقتات على فتات الحنين في منافٍ باردة، وتدرك بأسى أنك أصبحت غريباً حتى عن نفسك التي تركتها هناك.

مجرد استيعاب الأمر يهبك حزن جبار، كأن تحمل وطنك وماضيك وتضعهما في حقيبة من الحديد الصلب ثم تغلق عليهما إلى الأبد.