التعليم في اليمن: من تدهور التحصيل إلى تهديد السلامة الجسدية والنفسية
أكدت مصادر تربوية يمنية أن الاستهداف المتواصل للعملية التعليمية في البلاد، والذي يمتد لعقد ونصف جراء الفوضى السياسية وانقلاب الحوثيين، تجاوز مرحلة نزيف التحصيل العلمي للطالب ليطال التهديد الجسدي والنفسي لكل من الطلاب والمعلمين.
جاء هذا التقييم في ورقة أعدها عدد من التربويين في قطاع التعليم بالعاصمة المؤقتة عدن، استعداداً لتقديمها للحكومة الجديدة بهدف وضع معالجات جذرية لهذا القطاع الحيوي.
وأوضح التربويون أن قطاع التعليم يُعد من أكبر ضحايا النزاع المستمر، حيث تجاوزت التداعيات الأضرار المادية لتشمل شللاً هيكلياً أصاب المنظومة التعليمية بأكملها، مما أدى إلى تدهور في جودة المناهج، وتحريفها، ومنع تدريسها، وتوقف التعليم بشكل متكرر نتيجة الإضرابات السياسية، وصولاً إلى قطع رواتب المعلمين وعدم تناسبها مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وتناولت الورقة الدمار الذي لحق بالمنشآت التعليمية كلياً وجزئياً على يد الميليشيات والجماعات المسلحة، حيث يتم تحويل مئات المدارس إلى ملاجئ للنازحين، أو ثكنات للمسلحين، أو أنها أصبحت مهددة بالألغام ومخلفات الحرب، وكذلك الطرق المؤدية إليها.
كما تطرقت إلى انهيار منظومة الحوافز والدعم المالي للمعلمين؛ فمنذ عام 2016، لم يتلقَّ نحو ثلثي الكادر التعليمي رواتبهم بانتظام بسبب الانقسام السياسي والمالي، مما دفع الآلاف منهم إلى الهجرة من المدارس بحثاً عن مصادر دخل بديلة، بينما يعتمد البقية بشكل شبه كلي على المنح الدولية الطارئة، ما جعل المنظومة التعليمية هشة وغير قادرة على مواكبة التطورات التعليمية المحيطة باليمن.
ووفقاً للورقة، تؤكد الدراسات تسرب 4.5 مليون طفل من المدارس، وهو ما يمثل نحو 39% من الأطفال في سن الدراسة، مشيرة إلى أن هذا النزيف التعليمي يتجاوز الحرمان من المعرفة إلى تهديد السلامة الجسدية والنفسية، حيث يصبح المنقطعون أكثر عرضة للتجنيد القسري أو الزواج المبكر.
على صعيد آخر، يعاني الطالب اليمني من "عزلة رقمية" خانقة؛ فغياب الكهرباء والإنترنت جعل الحلول التكنولوجية والتعليم عن بُعد غير متاحة للغالبية، مما ينذر بنشوء أجيال تعاني من "أُمّية تقنية" في عالم يعتمد الرقمنة لغةً له.
ولعل أخطر ما واجهه التعليم هو محاولات تحويل المدرسة من محضن للعلم إلى ساحة للتعبئة الأيديولوجية، حيث برز تحدي تسييس المناهج وإقحام الأجندات السياسية، مما أفرغ العملية التعليمية من حيادها العلمي وأسفر عن ازدواجية معرفية وقيمية بين أبناء الجيل الواحد، ويهدد الهوية الوطنية الجامعة.
وتؤكد الورقة أن تدهور التعليم الحكومي أدى إلى ظهور فجوة حادة بين التعليم الخاص المتاح للمقتدرين والتعليم الحكومي المفتقر لمقومات التعليم الحقيقية، مما كرّس لظهور "الطبقية المعرفية" وقوّض مبدأ تكافؤ الفرص، الأمر الذي يغذي الإحباط ويهدد السلم الاجتماعي مستقبلاً.
ولم يتوقف الانهيار عند التعليم الأساسي، بل امتد ليشمل التعليم العالي، حيث تحولت الجامعات من مراكز للابتكار إلى مؤسسات للتدريس التقليدي نتيجة هجرة الأكاديميين وانعدام موازنات البحث العلمي، كما تحولت بعض الجامعات إلى دكاكين لبيع الشهادات الأكاديمية أو استخدامها لخدمة كيانات القوة والسيطرة على الأرض، مما يعني غياب القيادة المعرفية اللازمة لإدارة خطط إعادة الإعمار ويقوّض السيادة الوطنية في اتخاذ القرار التنموي.