معاناة بلا صوت .. الجوع الذي لا يُرى

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في مناطق سيطرة جماعة الحوثي لا يظهر الجوع في صور صادمة كل يوم، ولا تصطف الكاميرات أمام بطون منتفخة وأجساد هزيلة كما يحدث في كوارث العالم الكبرى، لكنه حاضر في التفاصيل الصغيرة: في معيل أسرة يعود إلى منزله خالي اليدين، في طفل يذهب إلى المدرسة بلا إفطار، وفي موظف ينتظر راتبًا انقطع منذ سنوات.  

الجوع هنا حالة مستمرة؛ رواتب متوقفة، فرص عمل شبه معدومة، وجبايات متعددة. ومع كل يوم يمر، تتآكل القدرة الشرائية للناس، ويكبر الاعتماد على الدَّين والمساعدات أو على تحويلات أقارب في الخارج. أما من لا يملك هذا ولا ذاك، فيعيش على حافة الكفاف، يقتصد في الطعام كما يقتصد في الأمل.  

المأساة أن الجوع في مناطق سيطرة الحوثي لا يُرى كما يجب، لأنه لا يُعلن نفسه بصخب. لا توجد إحصاءات شفافة، ولا اعتراف صريح بحجم الأزمة، ولا سياسات اقتصادية واضحة تعالج جذورها. يُختزل الحديث في شعارات عامة عن الصمود، بينما المواطن يقاتل يوميًا معركة البقاء. الجوع لا يهتف في الشوارع، لكنه يهمس في البيوت، ويترك أثره في صحة الناس وتعليم أطفالهم ومستقبلهم.  

يقدّم الحوثي أولويات الجبهات على أولويات المعيشة، فيصبح الخبز مسألة ثانوية في حسابات السلطة، رغم أنه القضية الأولى لدى المواطن.  

الأشد قسوة أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر. سوء التغذية لا يهدد أجسادهم فقط، بل عقولهم أيضًا. جيل ينشأ في بيئة محرومة من الحد الأدنى من الاستقرار الغذائي، كيف سيكون مستقبله؟ وكيف سيستعيد هذا البلد عافيته إن كان أساسه البشري يضعف عامًا بعد عام؟  

إنها معاناة بلا صوت، لأن الناس خائفون أو مرهقون أو فاقدون للثقة في جدوى الكلام. وهو جوع لا يُرى لأنه موزع بالتساوي على آلاف البيوت، فلا يلفت الانتباه كما تفعل الكارثة المفاجئة. لكنه، في حقيقته، أخطر من الضجيج؛ لأنه بطيء، صامت، ومتراكم.