من يريد تفجير عُمان.. يفجّر التاريخ!
في عالم السياسة المتلاطم، تخرج أحيانًا من عاصمة القرار الدولي تصريحات طائشة تتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، وتحمل في طياتها لغة التهديد والوعيد. ولعل التهديدات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان تمثل سقطة سياسية كبرى، وجهلًا فاضحًا بجغرافيا المنطقة وتاريخها. ويحزّ في نفسي، وأنا المتابع للسياسة والتاريخ الأمريكي، والمطّلع على إنتاج جامعاتها التي تخرّج العلماء ونوابغ القانون والإدارة والسياسة، أن أرى مثل هذا الجهل والعنجهيّة.
إن من يهدد بتفجير عُمان لا يدرك أنه يحاول تفجير التاريخ نفسه، ويهدد العقدة المركزية للاستقرار والاتزان الأخلاقي في الشرق الأوسط. فهل يعلم فخامة الرئيس ترامب أن أسد البحار أحمد بن ماجد السعدي، أشهر بحّار في التاريخ، وأول من وضع خرائط ملاحية للمحيط الهندي وطوّر البوصلة البحرية أو الإبرة المغناطيسية، هو عُماني؟ وهل قرأ السيد ترامب عن البحّار العُماني ابن القاسم، أول بحّار عربي يصل إلى الصين من عُمان؟ وهل سمع عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، وعن الأزد، القبيلة العربية الأصيلة التي ينتمي إليها سلاطين الأسرة البوسعيدية؟ وهل عرف ابن دريد صاحب «جمهرة اللغة»، وابن الذهبي الطبيب والفيزيائي العُماني الذي هاجر إلى الأندلس وألّف كتاب «الماء»، وأن الشاعر الشهير البهلاني، شاعر العلماء وعالم الشعراء، عُماني كذلك؟
هذه إمبراطورية، سيادة الرئيس، أضاءت الشرق وصافحت الغرب، والسلطان أحمد بن سعيد البوسعيدي أسّس أسرة عظيمة أقامت إمبراطورية في شرق إفريقيا لا تغيب عنها نصف الشمس.
عُمان ليست مجرد نقطة على الخارطة السياسية، بل هي كيان إمبراطوري عريق ضربت جذوره في أعماق التاريخ قبل أن تولد الولايات المتحدة الأمريكية بقرون. هذه الدولة العظيمة أضاءت حضارتها شرق إفريقيا، ونشرت قيم التجارة والملاحة والتعايش والتسامح الديني، وسطّرت بأساطيلها مجدًا بحريًا لا يُنسى في المحيط الهندي.
وحينما كانت أمريكا دولة ناشئة تبحث عن اعتراف دولي، كانت مسقط منارة للسيادة. ومن يقرأ التاريخ يعلم أن أول سفينة عربية شراعية «سلطانة» شقّت عباب المحيطات، وقادها البحّار العُماني أحمد الكعبي لتصل إلى ميناء نيويورك عام 1840، ولم تكن تحمل مدافع أو مسيّرات أو نوايا عدوانية، بل كانت محمّلة باللبان العُماني الفاخر والسجاد الأصيل والهدايا القيّمة المرسلة من سلطان عُمان إلى رئيس الولايات المتحدة آنذاك مارتن فان بيورن. تلك الرحلة أسست لأقدم العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن والعالم العربي، وهي علاقة بُنيت على الندّية والاحترام المتبادل، لا على الاستعلاء والتهديد.
كيف يطاوعك قلبك لمجرد التهديد بتفجير واحة السلام ومطفئة الحروب في منطقة تحترق بالنزاعات وتتجاذبها محاور الصراعات؟
لقد اختارت عُمان دائمًا أن تكون «حمامة السلام» والوسيط النزيه الذي يثق به الجميع، إذ قادت مسقط، عبر مساعيها الحميدة ومواقفها المحايدة، جهودًا مضنية لنزع فتيل أزمات دولية وإقليمية كبرى كادت أن تعصف بالمنطقة وتستنزف طاقات شعوبها ومواردها.
إن تهديد هذا البلد الحكيم هو تقويض لأهم قنوات الحوار العقلاني في العالم، ودفع بالمنطقة نحو فوضى لا تبقي ولا تذر.
(عُمان هيثم.. سلطان لا يُظلم عنده أحد)
هذه السياسة الراسخة يقودها اليوم بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان يجمع بين الهيبة والحكمة والحلم، ويسير على نهج البناء والتطوير الداخلي مع الحفاظ على دور عُمان الخارجي كمنارة للتعايش. ويترسخ في عهده المبدأ العُماني الأصيل بأنه «سلطان لا يُظلم عنده أحد»، حيث العدل أساس الحكم، والحرص الشديد على كرامة وحقوق كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، فلا يبيت صاحب حق إلا وحقه مسترد، ولا يُنتقص من قدر إنسان مقيم على أرضها في ظلال قيادته الحكيمة.
عُمان هي الإنسان العُماني الراقي، وشعب البناء والحضارة الإنسانية.
ختامًا، يجب على واشنطن وكل قوى العالم أن تعي طبيعة الشعب العُماني. إنه شعب استثنائي يجمع بين سجايا الكرم الحاتمي، والضيافة الأصيلة، والأدب الرفيع الذي يشهد به القاصي والداني. وهم ليسوا شعبًا طارئًا على سفر التاريخ، فقد أسهم العُمانيون بقوة في صياغة الحضارة الإنسانية عبر علومهم وتجارتهم وأخلاقهم السامية.
العُمانيون بطبعهم يميلون إلى الهدوء والسكينة، ويسعون دائمًا إلى الابتعاد عن المهاترات والمشكلات، مفضّلين التفرغ لبناء وطنهم ونشر السلام. لكن هذا الهدوء ليس ضعفًا، بل هو وقار الأقوياء وثقة أصحاب التاريخ العريق.
إن عُمان ستبقى عصية على التهديد، شامخة كجبالها، ولن تزيدها الأمواج العاتية إلا رسوخًا وثباتًا.