تحولات الخطاب الإيراني وتراجع نبرة الصوت الحوثية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

لا يمكن قراءة التذبذب في الخطاب الإيراني، ولا التراجع الملحوظ في نبرة الحوثي، بوصفه انعكاسًا لحالة ضعف طارئة أو نتيجة ضغوط ظرفية ماثلة، بل هو أيضًا تعبير دقيق عن نمط متجذر في إدارة الصراع لدى طهران كمعركة صفرية، يقوم على المزج بين التصعيد غير المباشر والانكفاء المرحلي، والخطاب العلني المتبجح، وتقديم التنازلات من تحت الطاولة، وبما يحقق هدفين متوازيين: تثبيت النفوذ دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وإبقاء الخصم في حالة استنزاف دائم دون منحه فرصة الحسم.  

فمنذ ما بعد عملية اغتيال قاسم سليماني، ومع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دخلت إيران مرحلة إعادة تعريف قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة، حيث لم يعد خيار المواجهة المباشرة مطروحًا ضمن الحسابات الواقعية للنظام، نظرًا لاختلال موازين القوة، وتكلفة الحرب الشاملة على بنية الدولة الإيرانية سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وبخاصة مع اشتداد الحصار الأمريكي على مضيق هرمز والموانئ الإيرانية، واستمرار أمريكا في حشد القوة العسكرية إلى المنطقة. ولذلك اتجهت إيران وأذرعها إلى تطوير نموذج “الحرب الرمادية”، الذي يقوم على استخدام الوكلاء، وتوسيع نطاق الاشتباك في الأطراف، مع الحرص على إبقاء مركز القرار بمنأى عن الضربات المباشرة.  

هذا النموذج يفسر ما يمكن تسميته بـ“الانسحاب اللفظي” دون الإطار العملي، حيث تلجأ طهران إلى تخفيض سقف الخطاب الإعلامي والسياسي في اللحظات الحرجة، ليس بوصفه تنازلًا، بل كأداة لامتصاص الضغط وإعادة ترتيب المشهد، قبل العودة إلى التصعيد غير المباشر عبر الأذرع الإقليمية، وهو ما ينسجم مع سلوكها في محطات متعددة، سواء في العراق أو سوريا سابقًا، أو في الخليج العربي من خلال إنشاء ودعم الخلايا النائمة والذئاب المنفردة.  

في هذا السياق، لا يمكن فصل تراجع نبرة الحوثي عن هذا الإطار الاستراتيجي، فالمليشيا لا تتحرك كفاعل مستقل بالكامل، بل كجزء من منظومة نفوذ أوسع تُدار من خلال مركزية القرار في طهران. وعندما تشعر إيران بأن الضغط يقترب من حدودها الحيوية، فإنها تعمد إلى خفض مستوى التصعيد في الساحات الثانوية، ومنها اليمن، لتقليل احتمالات التوسع غير المحسوب في الصراع، وهو ما ينعكس مباشرة في الخطاب الحوثي، الذي يتحول من التصعيد اللفظي والعملياتي إلى نبرة أكثر حذرًا وانضباطًا.  

غير أن هذا التراجع لا ينبغي تفسيره كتحول استراتيجي دائم، بل كإعادة تموضع تكتيكية، تهدف إلى الحفاظ على الأداة دون استنزافها في توقيت غير مناسب. فالمليشيا الحوثية بالنسبة لإيران تمثل ورقة ضغط جيوسياسية بالغة الأهمية، خصوصًا فيما يتعلق بتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهي ورقة لا يمكن التفريط بها، بل يجري توظيفها وفق إيقاع محسوب يرتبط بحسابات التفاوض والصراع مع القوى الدولية.  

أما على مستوى الردع الأمريكي، فإن الإشكالية لا تكمن في غياب القدرة، بل في طبيعة المقاربة، حيث تميل الولايات المتحدة إلى اعتماد نمط “الردع الجزئي”، الذي يقوم على توجيه ضربات محدودة دون الانتقال إلى استراتيجية شاملة تستهدف تفكيك بنية النفوذ الإيراني في الإقليم. وهذا النمط، رغم قدرته على احتواء التصعيد مؤقتًا، إلا أنه يترك المجال مفتوحًا أمام إيران لإعادة إنتاج التهديد عبر أدواتها المختلفة.  

إن الردع الفعّال في مواجهة طهران يتطلب الانتقال من استهداف الأعراض إلى معالجة الجذور، أي من ضرب الأذرع بشكل متقطع إلى تفكيك الشبكات التي تُنتج هذه الأذرع، وهو ما يستدعي الجمع بين أدوات متعددة، عسكرية واقتصادية واستخباراتية، مع التركيز على تعطيل خطوط الإمداد، واستهداف البنية اللوجستية، ورفع كلفة التدخل الإيراني في الساحات العربية.  

وفي الحالة اليمنية، يبرز سؤال الاستراتيجية البديلة، حيث تشير المعطيات إلى توجه أمريكي نحو موازنة الردع العسكري بالتمكين المحلي، أي دعم قوى يمنية قادرة على خلق توازن ميداني مع المليشيا الحوثية، بالتوازي مع استمرار الضغط العسكري لمنعها من توسيع نفوذها أو تهديد الممرات البحرية.  

غير أن هذا الخيار يواجه تحديات بنيوية عميقة، تتعلق بتعدد الفاعلين المحليين، وغياب مشروع وطني جامع، وتداخل الأجندات الإقليمية، وهو ما يجعل من عملية “التمكين المحلي” مسارًا معقدًا، يحتاج إلى إعادة هندسة المشهد السياسي والعسكري، وليس مجرد تقديم دعم عسكري أو لوجستي محدود.  

وعند مقارنة هذا النموذج بتجارب إقليمية أخرى، مثل حزب الله في لبنان، أو الميليشيات المرتبطة بإيران في العراق، يتضح أن إيران نجحت إلى حد ما في بناء نماذج نفوذ شبه مستدامة، تقوم على الدمج بين العمل العسكري والسياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل تفكيكها عملية طويلة ومعقدة، تتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية.  

في ضوء ذلك، فإن ما نشهده من تراجع في الخطاب الإيراني أو الحوثي لا يعكس نهاية مرحلة، بل هو جزء من دورة مستمرة من التصعيد والانكفاء، تحكمها معادلة دقيقة بين الطموح الجيوسياسي وحدود القدرة، وبين الرغبة في التوسع والخشية من المواجهة الشاملة، وهي معادلة ستبقى قائمة ما لم يحدث تحول جذري في طبيعة الردع الدولي، أو في بنية النظام الإقليمي نفسه.  


*أكاديمي ومحلل سياسي يمني-
جامعة تعز